كيف يمكن للفن أن ينقذنا؟

من المفترض أن يكون الأول من أبريل 2020 هو اليوم الذي نحتفل فيه بالذكرى السنوية الـ 31 لوصول عائلتي إلى أستراليا من السلفادور.

قبل واحد وثلاثين عامًا، اتخذ والداي قرارًا صعبًا بترك كل ما يعرفانه وراءهما، لإعطائي وشقيقاتي فرصة حياة أفضل في بيرث، أستراليا الغربية. كعائلة شابة نشأت في خضم الحرب الأهلية السلفادورية، كان الزمن بالنسبة لنا متوترًا بشكل لا يصدق. شهدت الأعمال العدائية بين المتمردين والحكومة اختفاء العديد من المواطنين دون سابق إنذار، بما في ذلك جيراننا- يفترض أنهم اعتقلوا من قبل فرق الموت العسكرية. قُتل اثنان من أعمامي خلال الحرب وأصبح علاج الجروح الناتجة عن طلقات نارية من الوظائف المنتظمة لوالدي الذي كان يعمل طبيباً. عرف والداي وشعر باضطراب ما بعد الصدمة العاطفي الذي عانت منه أخواتي، وكان ولادتي الوشيكة في بلد مزقته الحرب سببًا إضافيًا للفرار. الأول من أبريل هو يوم للتفكر العميق بالنسبة لنا. خلال مأدبة عشاء حميمة، نشرب نخب كوننا معًا في بلد آمن، ونمتن لذلك.

هذا هو الوقت الذي يكون فيه من المهم بشكل خاص بالنسبة لي أن أكون مرئيًا – كمهاجر وكشخص ذي إعاقة. في مدينة بيرث المعزولة، يكون الوصول الرئيسي لتاريخي السلفادوري من خلال والدي. هناك ضرورة للوقوف بقوة وقول “أنا هنا، وقد مررت بهذا” فيما أحتضن التضحيات التي وجب على عائلتي بذلها واحتفل بفخر بجذوري السلفادورية. ولكن بنفس القدر، كشخص مصاب بمتلازمة أسبرجر، فقد جئت من تاريخ طويل من العار والجهل والاختباء. تدمير ذلك وشغل تلك المساحة هو علاج للتمييز الذي واجهته في حياتي.

لكن الأول من نيسان الحالي بدا مختلفًا كثيرًا عن السابق.

بينما أتأمل مكاني في هذا الوقت، فإنني أتذكر تاريخ السلفادور مع الاستعمار. مع قيام الغزاة الإسبان بتجريد القوة ببطء من سكان أمريكا الوسطى الأصليين، صار من المفترض أن يكون اسلوب عيش المستعمرين هو الأمر الطبيعي الجديد. سيطر الطب الغربي على الطب الشعبي والروحاني، واضطرت العديد من المجتمعات للتخلي عن تقاليدها ومعتقداتها الدينية. مثل جائحة اليوم، شهدت تلك الحقبة هستيريا جماعية وإغلاقًا جماعيًا، ونُظر إلى الثقافة المحلية بمزيد من الشك. لقد شهدت موت حيوية المجتمع وسبل عيشه لإرضاء التيار السائد. على الرغم من أن الأمر اليوم لا يتعلق بالدين، إلا أن التيار الخفي هو نفسه: إنه فقدان الهوية الثقافية. وبينما يشجعنا الوباء بالتأكيد على البحث عن مواطنينا الضعفاء، فقد أدى على العكس من ذلك إلى تغذية الجشع، والاكتناز، وإحساس أقوى بالفردية التي تسببت في خلق صدع بيننا. نحن في زمن لا يفسح المجال لمواطنيه بالانحراف عن القاعدة الجديدة المفروضة، ولهذا السبب من المهم الآن أكثر من أي وقت مضى أن نذكر أنفسنا بالطرق التي يمكننا أن نعيش بها بطريقة كاملة خارج هذا النظام. نحن أكثر من مجرد صناعة متجانسة – نحن مجتمع.

نظرًا لتضخيم مخاوف الناس عند العطس في كل مرة، نرى الجماهير في جميع أنحاء العالم تعقم أنفسها بشكل وسواسي، وتتنقل بشكل محرج حول بعضها البعض، وتشعر بأنها محاصرة في منازلها. حتى العناق الدافئ من والدتي كان غير وارد في هذا الوضع الطبيعي الجديد. لم يعد مسموحًا بأنماط الراحة التقليدية؛ لقد تغيرت حياتنا بفعل عوامل خارجية. لكن ربما كان الأسوأ بالنسبة لي هو الجمود الذي وصلت إليه الفنون. كيف يمكن أن ننقذ الفنون؟

يبدو أن التصور العام للفنون في نظر الحكومة والهيئات الصناعية هو أنها غير أساسية أو مجرد هواية. الفن كما هو موضح في الصور النمطية هو مجموعة من الطلاب ذوي الشعر والملابس الغير مهندمة، والذين يخربشون رسوماتهم الفوضوية على ظهر أوراق الامتحان الخاصة بهم، ويقلبون أعينهم في ازدراء. مثيرون للشغب ومهملون؛ وجهة نظر تتناقض بشكل صارخ مع “عقلية الصناعة” الراسخة. عندما تتغذى علينا فكرة أننا كمجتمع يجب أن نكون منتجين طوال الوقت باستمرار، فإن أي شيء يقع خارج هذه الفكرة يُنظر إليه على أنه كسل أو مضيعة للوقت. عندما تخرجت من المدرسة الثانوية ودرست التصميم الجرافيكي في الكلية التقنية المحلية، تلقيت فحصًا قاسيًا في الواقع. في البداية، بدا التصميم الجرافيكي مناسبًا تمامًا لي، مما أتاح لي مساحة لاستكشاف نفسي بحرية فنية وصدق. لكن سرعان ما تبدد أي أمل لي في ذلك. فكرة أنني كمصمم كنت الأقل أهمية في المعادلة، غُرست في نفسي كثيرًا. الوظيفة التي تخيلتها حول صنع شيء جديد وتقدمي، تحولت في داخلي إلى تسليم قدرتي الإبداعية للأشياء “الحقيقية” التي تهم: العميل الذي يدفع، والمستهلكين الرأسماليين. أدرك أن هذا ليس بالضرورة خطأ أي شخص. فكلنا واقعون في شراك في هذا النظام. عندما يكون الشغل الشاغل للعالم بأسره هو تحقيق الأرباح، نجد أنفسنا نحترق بينما نعمل على بقاء آلة دورية لا تتوقف أبدًا. لكني أكتب لتمحيض تلك العقلية.

إذًا، لماذا تستحق الفنون الإنقاذ؟ وكيف يمكنها إنقاذنا؟

إن دورنا، بصفتنا فنانين، هو تحطيم التصورات، وتحدي التفكير، وإنشاء محتوى مثير للفكر يوسع أفكارنا حول الثقافة والهوية. في الآونة الأخيرة، أجبر الوباء على إلغاء الحفلات الموسيقية، وإغلاق المعارض، وتعليق المسرح والسينما، والأسوأ من ذلك، من وجهة نظري: تسبب في توقف دور النشر عن صناعة القصص المصورة. علمت بهذا في المرة الأخيرة التي زرت فيها مكتبة القصص المصورة المحلية في وقت ما في منتصف شهر آذار.

انتقل معظم الفنانين إلى واقع وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضي للبقاء على اتصال مع بقية العالم المعزول. على الرغم من أننا محظوظون، بقدر ما، لتمتعنا بإمكانية الوصول إلى الإنترنت لإبقائنا على اطلاع، ومنحنا جمهورًا افتراضيًا، ما زلت أصر على أننا كفنانين، نحتاج إلى جمهور حي للتفاعل معه. باعتباري شخصًا معتادًا على أن يكون بمفرده كثيرًا، ولكن أصبح عملي مؤخرًا أكثر شهرة، فإن الحجر خلال هذا الوقت يبدو وكأنه لكمة قوية على الوجه لكل العمل الشاق الذي كنت أحاول إنجازه. والأكثر من ذلك، كما وصفت سابقًا، أن عودتي إلى حالة الاختباء التمييزي تشعرني بالانتكاس بخصوص العمل المهم الذي أقوم به.

شعرت في شبابي بالانفصال الشديد من حيث شعوري بالانتماء داخل أستراليا: كنت هنا ومحاطًا بالثقافة الأسترالية، ومع ذلك فإن تراثي سلفادوري. على الرغم من أنني شعرت بإحلال معتدل، إلا أنني عانيت مع معرفة المزيد عن سلالتي. كافحت لتعلم اللغة الإسبانية، واعتمدت على صبر والدي في تعليمي اللغة. أستطيع أن أرى الآن أنني كنت استكشف إمكانية الانتماء لثقافة لا تُوفر مساحة كبيرة للهويات الثقافية التي تنحرف عن الطبيعي.

هذا أيضًا ما أعتقد أن الفنون تعبر عنه: إنها هوية ثقافية تتيح للأفراد والجماعات الفرصة لاستكشاف حقائق وروايات بديلة. وهذا أيضًا سبب شعوري أنه لم يتم إعطاء الأولوية للفنون في هذا الوقت العصيب. إنه يهدد قدرة المجتمع على إنشاء أنظمة سلسة بأقل قدر من المقاومة.

ساعدت الفنون في تشكيل ما أنا عليه اليوم. عندما كنت طفلاً يتلاعب بلغتين في المنزل، استخدمت الأداء والانطباعات الصوتية كأداة للتغلب على الحواجز، وتجربة هويات مختلفة، وتوسيع مفرداتي وكلامي. أستخدم حاليًا كتاباتي وأدائي لإضفاء معنى على تجربتي التي أعيشها بصفتي مصابًا بمتلازمة اسبرجر، وتقديم تعليقات صادقة وحقيقية على العناصر الموجودة داخل ثقافتنا والتي لا أعتقد أنها تتمتع برؤية أو تمثيل كافيين. في بداية الوباء، كنت قد أكملت مراجعة مسودتي الأولى، والتي تصور بطل الرواية الذي يمثل ثقافتي وطيف هويتي العصبية المتنوع. كما كنت على وشك إحداث تأثير في الصناعة، لكن وكالتي تعرضت للإعاقة. الفنون ضرورية للإنسانية وهي الآن معرضة لخطر التخلي عنها.

كيف يمكننا كمجتمع تغيير الصناعة لضمان بقاء الفنون؟ عندما تمر ستة أشهر ويبدأ العالم الذي كان يسير بخطى سريعة في الدوران مرة أخرى، ما هي الخطة لضمان قدرة مجتمعنا على التكيف والازدهار في عالم غيره فيروس غير مرئي لا يرحم؟

بينما ترسل لنا الإعلانات على التلفاز رسائل مفادها أننا “لسنا وحدنا” وأننا “جميعًا في هذا معًا”، أعلم أن الحقيقة الأكبر هي أننا لسنا كذلك- ليس بعد على الأقل. كمجتمع مر بتجربة جماعية مشتركة، يجب أن نجتمع معًا، ونستمع إلى جميع الأصوات، ونطور الأفكار ونطرحها؛ وننمي التعاون والتواصل حتى بين المجتمعات التي لم تر أبدًا الحاجة إلى العمل معًا من قبل.

نحتاج أيضًا إلى الإقرار بأنه لا يمكننا الإسراع كما فعلنا سابقًا. في هذه الأشهر القليلة القادمة عندما نستيقظ من السبات داخل منازلنا، لدينا فرصة لتخيل شيء جديد تمامًا. بدلاً من النظام الذي يعمل على تطبيع الإرهاق والعمل حتى الانهيار، يمكننا التفكير في الحلول التي تعطي الأولوية لراحتنا وشفائنا؛ تقدير الوقت المتاح لأنفسنا كوقت لإعادة الشحن وإعطاء نسخ أفضل وأكثر نشاطًا من أنفسنا لبعضنا البعض.

وكما الفنون، تأثرت بعض المجتمعات بشدة بالقيود المفروضة عليها؛ وبشكل أكثر تحديدًا الفئات الضعيفة، مثل ذوي الاحتياجات الخاصة. يجب أن تعيد الصناعات تقييم الفرص المقدمة من خلال تكافؤ الفرص وتحييد الأنظمة الطبقية المختلفة التي تم تضخيمها من خلال عقلية “الصناعة”.

العمل ليس الشيء الوحيد المهم في الحياة. في أنماط حياتنا المغلقة الحالية، نقضي المزيد من الوقت مع من نهتم بهم. في بعض الحالات، لدينا فقط جهاز كمبيوتر وهاتف للتواصل معهم. نأخذ هوايات ومشاريع لإبقاء عقولنا مشغولة ولتوسيع إبداعنا وتعلمنا، لرعاية أنفسنا جسديًا وروحانيًا وعقليًا.

والأهم من ذلك، نحن بحاجة لاحترام الفنون كطريقة معتبرة وذات معنى لقضاء الوقت- الاحتفال بأنها تجلب لنا إحساسًا بالكرامة والهدف، وتحقيق الشعور بالرضا من خلال الاهتمام بصحتنا العقلية. إنها طريقتنا في اعتناق هويتنا الثقافية. من نواحٍ عديدة، تعتبر الفنون أداة أساسية لمن هم محرومون. نحن بحاجة لحماية ما تمثله الفنون بالنسبة لنا كمجتمع. لكننا ما زلنا بحاجة أيضًا إلى الاعتراف بأن التغييرات ضرورية لإخراج أفضل ما فينا جميعًا. وأعتقد أن الفنون مهمة خلال هذا الوقت.

بالتأمل في العطايا الاجتماعية العظيمة للفنون، أتذكر رحلتي الشخصية. أردت أن أكتب عن كيف يمكننا كمجتمع إنقاذ الفنون. لكن الآن أستطيع أن أرى أن السؤال يجب أن يكون: “كيف يمكن للفنون أن تنقذنا؟” كلما تأملت في ذلك، فإن الفنون ليست في خطر ولا تحتاج لإنقاذ. سادت الفنون حتى في الأوقات العصيبة. وخلال هذه الاضطرابات، قدمت لنا أفكارًا إبداعية للتبحر عبرها. أظهر التاريخ على مر السنين كيفية احتضان هويتنا الثقافية بغض النظر عن التيار العادي. بصفتي لاتينيًا، أتذكر الصورة ذات الوجهين لتشي جيفارا، الذي مثل الاضطرابات السياسية والثورة في بلدان أمريكا اللاتينية خلال النصف الأخير من القرن العشرين. لقد كانت الفنون وسيلة حاسمة لإعادة إحياء إرثه عبر الاستيلاء على رمزيته، ولكن أيضًا لتذكيرنا بأنه لا يزال لدينا الحق في عدم اتباع ما تم فرضه علينا.

الفنون هي أكثر من مجرد هواية ومكانة ثقافية، إنها حركة مجتمعية دفعت مجتمعنا إلى التحول والتعبير عما في أرواحنا. نحن كفنانين أكثر من مجرد مهنة من صناع المنتجات؛ نحن مجتمع مستديم ومرن وحيوي يستجيب للعالم بشكل متعمد ومدروس. لقد فعلنا ذلك من قبل، ورأينا ما هو أسوأ، ويمكننا تكرارها مرة أخرى.

أتمنى أن يكون الأول من أبريل 2021 فرصة للاحتفال مع عائلتي مرة أخرى.

كتبها: Raf Gonzalez

فنان لاتيني متعدد التخصصات. يسلط عمله على الهويات المهمشة.

ظهرت هذه المقالة لأول مرة في Los Angeles Review of Books وقد ترجمت هنا بترخيص منهم.