أين ستصل بنا التكنولوجيا؟

حياتنا اليوم قائمةً على ما نشاركه من لحظاتٍ وذكرياتٍ وأحداثٍ، ربّما نشاركها أكثر ممّا نحسّها ونعيشها، فتحكمنا أكثر مما نحكمها، وتعرف ما نجهله نحن عن أنفسنا، هناك من يستطيع الإجابة بصدقٍ أكبر عن أجوبةٍ نعجز نحن عن الإجابة عنها- جهازنا الصغير، مرافقنا الدائم.

لكن، هل فكرنا من قبل ما الدّافع وراء انغماسنا اللامحدود في التكنولوجيا؟

انغماسنا المادي في عالمٍ لا مادي، مفارقةٌ غريبة تستحقّ الوقوف عندها كثيراً…

ربط كل ما يجري في حياتنا بنتائج ملموسة، بأرقامٍ نحتاج أن نصل إليها وحسب، جعل من عقلنا مجرّد آلةٍ مجهزةٍ للبحث عن الحقيقة بالطريقة الماديّة البحتة، تعطيها مدخلات لتعطيك المخرجات المناسبة لها، هكذا تجاوز وجودنا الإنساني الحسّ والفلسفة إلى الوجوديات والوقائع فقط، ليضع كل شيء أمام ميزان التجربة، والتجربة فحسب…

دورة الحياة الطبيعية تنطلق من الحسّ الذي يتجوهر مع الفكر والتساؤلات المنطقيّة، ويتبلور مع العلم في حركةٍ عفويةٍ فطرية تهدف للوصول إلى الحقيقة وإظهار معالمها بوضوح، وهذا حال كلّ من يبحث عن الحقيقة بغض النظر عن جنسه وعرقه وكل ما يميزه كإنسان، هكذا كان حال الأنبياء والحكماء على مر السنين.

إذاً، كيف وصلنا إلى هنا؟

“العقل الذي يستخدم الحواس ليستنتج أنّ كل الموجودات تتكون من ذرات، يعود فيعتبر أنّ هذه الذرات هي من تصورات العقل”

إنّها من مفارقات التفكير المادي، الانطلاق من مبدأ أولوية المادة على الإنسان تجعل من عقله مرتبةً تاليةً لها متناسيةً البعد الآخر للطبيعة الانسانية المتجلي بالإحساس والروحانيات، فممارسات الإنسان ليست انعكاساً لقوانين المادة فحسب لأنّ كل فرد من الجنس البشري له تفرّده الخاص.

اعتقد علماء القرن التاسع عشر أنه بحلول القرن الجديد سيتمكن الإنسان من معرفة كل شيء وبالتالي التحكم بكل شيء. ليت أحدهم هنا اليوم ليدرك أننا وصلنا القرن الواحد والعشرين وما زلنا نجهل أكثر بكثيرٍ مما نعلم.

واعتقادهم هذا قائماً بالأصل على الرؤية النيوتونيّة للأشياء والتي تعتمد على تفسير كلّ ما يحدث في الكون من وجهة نظر الفيزياء وبالاعتماد على السببية فحسب، لذلك غدا التفكير مأطراً بالجوانب الماديّة فقط، ولم تتغير هذه النظرة سوى عن طريق ثورات العلم في القرن العشرين حيث ظهرت نظرية النسبية، فيزياء الكم، البيولوجيا الجزيئية، وافتراض Louis de Broglie الذي أثبت أنّه يمكن لأي جسيم أن يسلك سلوكاً ماديّاً وغير مادي، حتى أنّ نيوتن بنفسه كان يستبعد من كل الفضاءات السماوية فكرة وجود ملاك أو مخلوق أفضل من الإنسان، ومن جهة أخرى ألغى الفلاسفة الديكارتيون فكرة تشارك الإنسان مع الحيوان في وجود الروح بل كانوا يعتبرون الحيوانات شبيهة بالآلات، فقد سخر ديدرو – فيلسوف فرنسي – من فكرة وجود روح للحيوانات مرةّ بالقول: إذا استمرت حركات عضلية في عضو مقطوع من حيوان، فهل يجب لكي نفسر هذه الحركة أن نتصور وجود “قطعة روح” بقيت في هذا الجزء المبتور!

ولم يكن تبني التفكير المادي وليد لحظةٍ ما، إنّما هو حركةٌ تغيرت وتبدلت تبعاً للمجتمعات التي عاصرتها، فمن طبقة التجار التي سادت في عصور اليونان القديمة إلى البرجوازية الثورية الفرنسية، نهاية بعصر الرأسمالية التي جعلت من الفردية رأس الهرم كما في الاتحاد السوفيتي والديمقراطيات الشعبية، وما الماديّة أصلاً إلا نتاج الرأسمالية المدعومة سياسيّا، فالماركسيّة مثلاً تبنّت مذهب “لودفيغ فيورباخ” المادي، وأنتجت المادية الجدلية أحد أهم أركان فلسفتها، وكذلك الماديّة التاريخيّة، ولعلّ الآثر الأكبر لاعتناق المادية كمنهج حياة الوصول إلى الكفر بالغيب حيث لا أبعاد دينية واضحة، والمصدر الموثوق للمعرفة المحسوسات فحسب.

اعتناق مبدأ الماديّة لكلّ هذا الوقت الطويل والتماهي معها، سهّل انغماسنا اليوم بالتكنولوجيا دون أن نشعر أن هناك خللاً ما، فالناظر بعين المراقب يرى أن معظم البلاد التي يسود فيها التّطور التكنولوجي  الشديد كانت قائمةًّ بالأصل على الفرديّة ، ممّا ترك نتائج كبيرة على المستوى الاجتماعي وجعل من هذه المجتمعات معرضةً بشكلٍ أكبر للتفكك الأسري، حيث كل شيء حولك يدفعك إلى اللجوء للأجهزة عند الوقوع في المشاكل بدلاً من اللجوء لأحد أفراد أسرتك أو أصدقائك، وهذا أدّى بطريقةٍ مباشرةٍ أو لا مباشرة إلى توليد حاجة الناس الدائمة للاستهلاك، وليس الاستهلاك وحسب، بل للاستهلاك الدّوري القائم على مواكبة التحديث دوماً بهدف ضمان البقاء ضمن اللعبة.

كتبتهاولاء متاعة

فايسبوك/لينكدإن