في الأدب: جدل العمق وسعة الانتشار

في عصر صارت وسائل التواصل الاجتماعي فيه هي محور حياة الناس ومدار همهم واهتمامهم، وسلطة على عقولهم وآرائهم، وأداة من أدوات ديمقراطية الرأي حتى استحالت إلى ديمقراطية الغوغاء. في عصر كهذا صار لما يسمى بـ “التريند” سلطة حاكمة وموجهة لمسار أحاديث الناس ومحاوراتهم في هذا الفضاء الأزرق، وكلٌّ يدلي بدلوه في أي قضية كانت وأي مشكلة حلّت.

وفي واحدة من هذه “التريند”، إذا بالناس، والذين هم على قدر من الثقافة بنوع خاص، ينكبّون حديثًا عن غلاف لإحدى المجلات يحمل صورة لكاتب من كتاب الرواية الأكثر رواجًا في سوق القراءة. وإذا بنا، ومن بين زحام وركام الآراء التي قيلت في الأمر، نظفر برأي يحمل رؤية وعمقًا خليقين أن يستوقفا الانتباه ويثيرا سيلًا من الأفكار حول طبيعة الأدب وكيفية الحكم على عمل أدبي ما… وكانت هذه الرؤية قد قدمها الباحث الأكاديمي المرموق “كريم الصياد”[1] عبر صفحته على الفيسبوك فيما يُشبه مقالًا قصيرًا من ثماني فقرات قِصار. وهو قد وصف الضجة التي أحدثها غلاف المجلة هذا بأن “أغلب ما يقدم عن صاحب الصورة إشكالي؛ فهو إما ثناء، وإما ازدراء، إما مدْح، وإما “ردْح”، فغاب الدرس النقدي الموضوعي الممنهج بالمقارنة”.

وخلاصة ما ينتهي إليه “الصياد” فيما قدمه من رأي ورؤية، بأن صاحب الصورة ظاهرة، ليس في الأدب، بل في التسويق له. ظاهرة تستحق الدراسة لا السخرية ولا الإدانة. ورأيي – والكلام للصياد – أن علينا أن ندرسها، وأن نستفيد منها في تقديم أدبًا ندعي كونه أعمق وأكمل. ومن أدوار المفكر والأديب الأساسية أن يستغل وسائل الانتشار والتأثير لكي يوصل أفكاره.

ويتابع الصياد القول بأن صاحب هذه الصورة الإشكالية إنما يمثل ظاهرة كمية، لا كيفية. إنها ظاهرة في كمّ الانتشار، ومداه، وليست في نوعية ما يُقدّم.

وينتهي إلى أنه ينبغي أن نحلل هذه الظاهرة وما يشبهها موضوعيًا، ومنهجيًا، وأن نفهم أسرار انتشارها، وصنعة تأثيرها؛ لكي نقدم نحن ما لدينا، ما نزعم أنه أجمل وأكمل، ليكون في مستوى التأثير نفسه. ومن جهة أخرى لكي نفهم سبب سطحيتها، إذا زعمنا ذلك، واستغلالها لحالة التجريف الثقافي، واعتمادها على حاجات السوق بدلًا من تغيير إرادة هذا السوق”.

إلى هنا ينتهي كلام الصياد ليبتدي سيل من الأفكار تدفقًا من هذا الكلام بالغ الأهمية؛ وهو كذلك لأسباب كثيرة، من بينها أنه يسلط ضوءًا كثيفًا على معيار الانتشار والتأثير كيما يبديه عاريًا خاويًا من أي معنى له علاقة بما يومئ إليه وإن لم يدّعيه صراحة: أي أنه معيار لا يشير إلى الجودة بالضرورة… وعساه – في نظرنا كما سيبدو – أن يشير إلى عكسها في كثير من الأحيان!

وهذه النتيجة التي نقدمها بين يدي القارئ، والتي سنشرع في البرهنة عليها، وهي نتيجة كانت متضمنة بالفعل فيما كتب الصياد وإن حاول التكتّم عليها والارتفاع عنها إصرارًا منه على الحياد والموضوعية اللذين يسمان أي باحث جاد. نقول إن هذه النتيجة إنما تنتهي بنا إلى فجوة لا يمكن جسرها، بين العمق مع ضيق الانتشار من ناحية، والضحالة مع سعة الانتشار من الناحية الأخرى. وهي هوة تبدو حتمية، لا سيما في غياب جو ثقافي ثري وفسيح، ومن قبلِه تربة تعليمية متينة، بحيث يتعذر حصول ما يصبو إليه “الصياد” من اصطياد أسرار الانتشار وصنعة التأثير لتحقيق نتيجة عملية تتمثل في أن يقدم المبدعون الحقيقيون ما لديهم في ذات المستوى من التأثير والانتشار… وكأن قانون “العملة الرديئة تطرد الجيدة” يمد يده من موقعه في عالم الاقتصاد والمال ليطال ما في عالم الأدب وشتى عوالم الإنسان! بحيث يستأثر بهذه العملة الجيدة ثلة مثقفة نخبوية منعزلة على قمة جبل ناءٍ، بينما تهبط الرديئة إلى معمعان التداول!

يمثل الأدب عدسة مكبِّرة ومكثّفة على عالمٍ، وهو ليس العالم كما يبدو لحواسنا المبتسرة وعقولنا الخام، وإنما هو عالَم التجارِب والخبرات، عالم الشعور. هو العالَم حيث يتراءى لخبرات هذبها التعليم والثقافة، وصقلتها التجارب والأيام، وامتحنتها النوائب والخطوب، وازدانت بخيال خصيب نفّاذ… أي أنه ليس العالَم كما نسمع ونرى، وإنما هو العالَم كما نجرب ونختبر، هو ليس العالَم كما نعاين وإنما هو العالَم كما نعاني. وهو، من ثم، العالَم حيث تعجز لغة التداول اليومي عن الإتيان به فضلًا عن نقله للآخرين، ليأتي الأدب والفن كلغة أرقى وأثرى للإتيان بمثل هذا العالم وهذه الخبرات وتداولها. وبمقدار ما يختبر الإنسان من هذا العالم يكون حظه من تذوق الفنون والآداب كمًّا وكيفًا.

من أجل ذلك كان على الأدب (بحكم كونه تعبيرًا عن عالَم غائر في تلافيف الشعور وحنايا الوجدان) أن يرتفع درجة على الأقل فوق العالم الذي نراه بأعيننا ونسمعه بآذاننا ونستجيب له بغرائزنا الخام التي لا حظّ للثقافة فيها، سواء من حيث اللغة أو المضمون. وهنا لا ينفصل المضمون عن اللغة؛ لأن لغة الأدب – كيما يكون أدبًا – لا بد وأن تكون مشحونة بألغام من الدلالات؛ بحيث ما تكاد تقع في نفس المتلقي حتى تُحدث فيها سلسلة من التفاعلات كما التفاعل المتسلسل في الانفجار النووي! وهذا لمجرد التشبيه. ومن هنا كان الأدب المكتوب بلغة معيارية أبلغ أثرًا من ذلك المكتوب باللسان العامي لأي بلد كان، وكان الأدب المكتوب بلغة معيارية (فصحى أي لسان) المحمل بألوان الدلالات والتشبيهات أكثر حفرًا في الأعماق من ذلك الجاف الذي لا يعتبر من اللغة المعيارية سوى سلامة الأسلوب والصياغة النحوية والمنطقية وحسب؛ لأن الأدب هو خطاب موجه للشعور والعاطفة والوجدان قبل العقل. وما ذلك إلا لأن اللغة المعيارية، نظرًا لتقادمها في الزمان، قد علق بها طبقات من الدلالات لا تكون للغة التي لا حظّ لها من تاريخ،[2] وهي لهجة التداول اليومي التي سرعان ما تنسرب إلى الماضي مفسحة المجال لما يستجد استجابة لحاجة الناس إلى “استهلاك” دلالات جديدة! ومن هذا التعاور السريع للدلالات يتضاءل، بل يكاد يتلاشى، استشعار الجمال والجلال؛ لأنه كيما يستشعر المرء هكذا أمور لا بد وأن تكون لديه ما يمكن تسميته بـ “المستقبِلات” الشعورية أو الوجدانية، وهي بدورها لا تنشأ إلا في إطار ثقافي وحضاري مستقر نوعًا، ومن ثم فهي لا بد وأن تتكون وتتراكم عبر الزمن على طريقة الرواسب الجيولوجية كرواسب الطمي مثلًا. ومن هنا فإن استشعار الجمال والجلال في أي عمل فني عمومًا، وأدبي خصوصًا، لا يكون إلا أن يرسو على أساس من الاستقرار والتعود على نمط وأسلوب من الإلقاء والتلقي، والذي بدوره –أي النمط–  يبدأ في نسج شبكته من الدلالات كما شبكة العنكبوت لا ينسجها إلا عندما يتقادم العهد على منطقة لم يطرأ عليها طارئ منذ مدة، ومن ثم يتمكن بهذه الشبكة أن يتصيد ويستقبل لغة محملة بالدلالات ما تكاد تمس نفسه حتى تفجر بداخلها هذه الحقول من ألغام الدلالات. ومن كل ذلك كان ترجمة أو نقل عمل أدبي من لغة إلى أخرى أعسر الأمور منالًا، وتزداد هذه الصعوبة كلما ضرب هذا العمل بأطنابه في جذور الإنسان وصميم معماره الشعوري والوجداني.

من هنا يظهر مقدار ما يحتاجه عمل أدبي أو فني أصيل من تجارب وخبرات وثقافة ثرية في نفس المتلقي كيما يُسيغ ويستوعب مثل هذا العمل؛ لأن عملية التلقي لا تتحقق إلا بتوفر هذا المخزون من التجارب والخبرات والمعارف (وهذه الآلية في التلقي والفهم والشعور يمكن أن نلتمس لها التفسير لدى نظرية “تجهيز ومعالجة المعلومات”)، وهي في هذه الحالة – أي التجارب والخبرات والمعارف – قد تكون مبعثرة مشتتة في حنايا الذات، حتى يأتي العمل الأدبي يجمع ما تبعثر في حنايا النفس وينسج منه وحدة نابضة بالحياة في نفس المتلقي، بحيث تمكن المرء من إعادة رؤية نفسه والآخر والعالم والكون في بُعدٍ آخر جديد ما كان من قبل ميسورًا… من هنا كان الأدب عدسة على العالم، عالم الشعور والتجارب، يطالع فيه المرء عالَمًا جديدًا يستشعره في قرارة نفسه مبعثرًا غائمًا غامضًا، فإذا به، من خلال العمل الأدبي، يستحيل حيَّا ناصعًا نابضًا؛ فيتح ويفتح بذلك الأدب للمتلقي عوالم على قدر من الجمال والجلال ما كان وَالِجُهَا بالخبز وحده!

وعلى ذلك فإنه بمقدار ما يرتفع عمل أدبي عن عالم الحس إلى عالم المعنى والدلالة يكون حظه من العمق والجلال. وبمقدار ما يتناول من القضايا والمشكلات التي تمس الإنسان في الصميم من حيث هو إنسان، بحيث تخترق أغلفة الثقافة وحجبها، يكون حظه من الأصالة والخلود… فخبرات الإحباط والفقد، وشعور العجز أمام الموت، واستشعار الوحدة والاغتراب في محيط من المجهول والظلام، وخيبات الآمال، ومشكلات الحب، ومشكلات القدر والمصير والحرية والمعنى، وسائر المشكلات الوجودية الكبرى… كل هذه القضايا والمشكلات مما يمس صميم الإنسان في كل بقاع الأرض، ولكن الإنسان الذي تعلم وتهذب واختبر وجرب، وعلت به آماله إلى عنان السماء ثم هوت به إخفاقاته إلى مستنقعات اليأس.

ولمّا كان يغلب على الناس في الثقافات الناضبة أن يعتبروا الأدب ليس سوى نوع من الحكي يشف مظهره عن مخبره، أي نوع من “الحواديت” باللهجة المصرية، فإنه من الطبيعي أن يظن الناس أنهم يمكن أن يتثقفوا بالأدب وحده، وأنهم ليسوا بحاجة إلى قراءة شيء آخر سوى الروايات كي يرضوا غرورهم ويستجيبوا للقيم المعرفية التي تغرسها الثقافة في نفوس الأفراد؛ فلكي يظهر المرء بمظهر المثقف عليه أن يُمسك بكتاب، أي كتاب لا يهم، وأيسر الكتب منالًا لدى إنسان لم ينل من التعليم الحقيقي شيئًا تقريبًا هي الروايات، وهي الروايات بالمعنى الذي لا يرى في الأدب سوى نوع من الحكي كما قلنا؛ لأن أدبًا من العمق على النحو الذي صوّرنا هو نوع من الطلاسم عديمة المعنى أو الدلالة بالنسبة إليه، وإن امرءًا كهذا ليحسب أن الأدب وحده يكفيه عناء الحفر بحثًا عن المعرفة ويظهره بمظهر المثقف في ذات الوقت، وهو لذلك أول ما ينبغي أن يُقرأ في حين أن الأدب هو آخر ما ينبغي أن يُقرأ! ومثل هذا التصور الساذج لطبيعة الأدب خليق حقًا أن يُلحق الانحدار والتدهور في النشاط الأدبي إنشاءً وتلقيًّا على السواء، حتى لقد بتنا نعايش وضعًا يكاد يتساوى فيه عددًا كتُّاب الرواية مع قرّائها!

ونحن حين نقول بأن الأدب هو آخر ما ينبغي أن يُقرأ، إنما نقول ذلك إكبارًا وإجلالًا لجانبه، وليس تأجيلًا له أو تهميشًا وإبعادًا؛ ذلك أنّا نرى أن الأدب لا يُقرأ إلا بعد أن يقطع المرء شوطًا كبيرا في المعرفة، ومع ذلك قد جرّب الأمور وامتحنته الأيام وبَلا حلو الحياة ومرها، ومع كل ذلك فهو لا يقرأ الأدب وحده، وإنما لا تكون قراءة الأدب من بين القراءات إلا كفنجان شاي بعد وجبة دسمة، أو كنزهة نهاية أسبوع من العمل الشاق، لا أن يهجم فجأة على عمل أدبي وهو لم يتعلم شيئًا ولم يخبر حلوًا ولا مرًا، وهو لا يقرأ شيئًا آخر، وهو يعيش دورة من الحياة اليومية تشبه في نمطها دورة حياة النبات.

ولماذا نُصِرّ على أن نربط جودة الأدب إنتاجًا أو تلقيًا بجودة التعليم، والذي لا بد وأن يسبق سعة الثقافة وعمقها؟

ما هذا الإصرار منّا إلا لشيء جوهري في عملية التعلم ذاتها؛ فالتعلم (الحقيقي) لا يتيح للمرء معرفة خصبة ثرية فحسب، وإنما جوهر التعلم يكمن في إكساب المتعلم رؤية شاملة كلية لواقعه الذي يعيش، وعلى هدى من هذه الرؤية الكلية وبنور منها يتيسر له أن يستجيب على نحو صحيح وسلسل لمواقف حياته المختلفة من دون تخبط أو تعثر. وهو من ثم، أي التعلم، يرسخ في المتعلم مبدأ “الما ينبغي” على الدوام، وهو مبدأ يزداد رسوخًا واتساعًا كلما أمعن المرء في المعرفة وتمكنت هذه من ذاته؛ فتتسع بذلك وتتعمق الهوة بين الواقع والمأمول, وهو بهذا الما ينبغي أو المأمول يصطدم على الدوام بما هو واقع فعلًا، فتحدث خبرات الإحباط وتجارب الألم واليأس والافتقاد لمُثُل الحق والخير والجمال برغم ما قد يحرزه من ظفر وتفوق ونبوغ. وهذه الخبرات، إضافة للمعرفة في ذاتها، من شأنها إثراء الذات على نحو يهيئها لتلقي الأدب أو إنشائه إذا ما كان موهوبًا ذا خيال خصيب نفّاذ.

ونكاد نسمع من يسائلنا: ولماذا تربط على الدوام بين الأدب إنتاجًا وتلقيًا من ناحية، ومشاعر وخبرات الألم والفقد والشجن من الناحية أخرى؟ ونحن نجيب بأن هذه الرابطة ليست ضرورية بالتأكيد، فمشاعر الغبطة والانتصار والظفر والزهو لها حظ وافر أيضًا من إمكانية إنتاج الأدب أو تلقيه، ولكن لنضع في الحسبان أن أعمق الأعمال الأدبية أثرًا وأرسخها قدمًا وأعلاها ذِكرًا وأبقاها على وجه الدهر وتعاقب الأجيال، هي تلك التي ترتبط بمثل هذه الخبرات والمشاعر والآلام التي ترتبط على الدوام بثراء الثقافة وعمق التجارب والخبرات، فقد نُسب لفولتير قوله: “هؤلاء الذين وُهبوا الحكمة يعيشون حياة حزينة”، وكان “المتنبي” قد رمى قبل ذلك إلى ذات المعنى بقوله: “ذو العقل يشقى في النعيم بعقله، وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم”!

على أن النشاط الأدبي، إنشاءً أو تلقيًا، ويا للأسف، وشأنه في ذلك شأن شتى مناحي النبوغ الإنساني من علم وفلسفة وسائر ضروب الفن، إنما هو مرهون آخر الأمر بالسياق الثقافي والمناخ الحضاري العام. إذ تُلازم هذه المناشط الإنسانية حالة الحراك الحضاري والثقافي، حالة الحراك لأعلى، وأحيانًا حالة الاستقرار النسبي على قمة من قمم الحضارة، ولكن ما إن يطُل هذا الاستقرار حتى يسرع الإفلاس إلى هذه الأنشطة وينال الفراغ منها كل منال. وما ذلك إلا لأن الحراك الحضاري وما يتضمنه من سعي أفراده إلى المآرب والأغراض والطموح إلى المجد، وما يتضمنه كذلك من تنوع وثراء في التجارب والخبرات (لأن في الحركة يحدث تنوع وتغير وتعدد واختلاف في مجالات الرؤية؛ مما يؤجج جذوة الوعي)، وما يثير كل ذلك آخر الأمر من أحداث جِسام في العقل الإنساني؛ إذ من هذه التطورات والتغيرات يبدأ الوعي في الارتداد نحو الداخل، في فحص المسلمات والبديهيات والقناعات الراسخة في ضوء التغيرات الحضارية المزلزلة التي تضطرب في الخارج، وقد كان من قبل يرى كل ما في العالم الخارجي في ضوء مسلماته وبديهياته الداخلية… وها هنا يتجسد ويتمثل معنى التجربة والخبرة الإنسانيين كأروع ما يكون التجسد والتمثل: إذ تُطل كل دراما الوجود الإنساني من بين أطلال وحطام المسلمات والبديهيات التي تهشمت تحت عجلات الحضارة الصاعدة… وها هنا تنبثق أروع الفنون والآداب، وأعمق النظريات الفلسفية والعلمية.

وهذه التجارب الحضارية من شأنها أن تنشئ الإنتاج الأدبي كما تنشئ التلقي الأدبي أيضًا؛ لأن كلًّا من الملقِي والمتلقي يُنسَجون على نول ذات التجربة، بيد أن أسبقية المنتِج على المتلقي تكون في اجتماع المعرفة والموهبة والخيال في ذات الذهن. ومن الحق، لذلك، أن يتحقق نوع مما يمكن تسميته بـ “الاتزان الهيدروليكي” بين الأنشطة الأدبية والفنية وشتى المناشط الإنسانية العليا عمومًا من ناحية، والثقافة والمجتمع الحاضنين لمثل هذه المناشط من الناحية الأخرى، بحيث يرتفعان أو يهبطان سويًا على نحو متوازن؛ فإذا كان المجتمع في حالة من الحراك الحضاري الصاعد، فإنه يعمل كما لو كان بيئة لاختمار ألوان الفنون والفِكَر ينهل منها الناس جميعًا بأقدار ما، ومن جوٍّ كهذا  يغدو حتى أقل الناس حظًّا من التعلم ذا حظ من هذه الخميرة الحضارية، ويزداد هذا الحظ بمقدار ما ينال المرء قسطًا من التعليم في هكذا بيئة يكون للتعليم الجيد فيها بالضرورة أهمية كبرى ضمن الحراك الحضاري الصاعد. وهكذا يكون للناس في هكذا بيئة حظوظًا متقاربة من ذات التجارب والخبرات وإن كانت حظوظهم من التعليم قد تتفاوت إلى حدود بعيدة. ولكن في المجمل يحدث عملية انحسار للعملة الرديئة في هكذا بيئة؛ لأن هكذا بيئة حضارية قلما تنتج مثل هذه العملة الأدبية والفكرية الرديئة من ناحية، ولأن هؤلاء الرديئين سيغدون كالأشباح يريعهم شعاع الفجر من ناحية أخرى فلا يحفل بهم أحدًا كما إنهم يغدون موضع ازدراء واستهجان لدى هكذا بيئة لا تسمح بأن يقول أي أحد أي قول والسلام!

ومن كلا الإشكالين الكبيرين، إشكال الحالة الحضارية وإشكال الحالة التعليمية في مجتمع ما، واللذين يقفان عقبة في سبيل النشاط الأدبي وشتى المناشط الإنسانية العليا، ينجلي لنا جوهر الأمر وصلب المشكلة؛ إذ أن قانون القصور الذاتي من طول اليد بحيث يطال وينال من عالم الطبيعة الإنسانية كما من عالم الطبيعة الجامدة. لا يتحرك الفرد أو الحضارة لتطور ما إلا حين تواجهه مشكلة في الواقع، أو في الذهن، تعيقه عن التكيف والاندماج السلس مع هذا الواقع. ويتمثل جوهر هذه المشكلة في عدم جدوى الحلول القديمة (من مسلمات ومبادئ وقناعات راسخة ومفاهيم ورؤى عن الواقع المعيش) في مواجهة واقع قد استجد أو راح يتعقد ويتطور. وهذا في حقيقة الأمر ما يدفع الثقافة إلى التطور في حالة من الحراك الحضاري الصاعد، وهنا نقصد الثقافة بالمعنى الأنثروبولوجي وليس بالمعنى الدارج الذي يحيل إلى سعة الأفق وثراء المعرفة، أي بمعنى أنها “جُمّاع الاستجابات – العقلية والسلوكية – التي ينشئها بالبشر في مواجهة مشكلات البيئية والاجتماع، والتي بدورها تنقلب لتنشئ البشر حين يشبون عليها في قوالب ما أشبهها ببعضها”. وكما التطور الحضاري يكون التطور الفردي؛ إذ يسعى المرء إلى المعرفة واتساع وتغيير الرؤية كلما لزم الأمر، مدفوعًا في ذلك بأزمات تكيفية، حلول ورؤى عقلية قديمة لا تسعفه في الاستجابة على نحو سليم لمشكلات في الواقع الخارجي أو الواقع الداخلي (الذهني والنفسي).

ويا له من أمر مؤسف أن ينتج من ذلك أن التطور والحراك نحو الأعلى لا يأتي إلا من المعاناة والألم ولو بدرجات متفاوتة؛ إذ لا يتحرك المرء أو الحضارة في أطوار نحو الأعلى والأفضل إلا من سوء التكيف هذا، والذي قد يبلغ حدودًا مؤلمةً غاية الإيلام. وهكذا لا ينتج التطور إلا من سوء التكيف. وسوء التكيف هذا هو ما يسلط الضوء على المساحة الواقعة بين ما هو عليه المرء أو الحضارة وما ينبغي أن يكون عليه… بين الواقع والمأمول. وينشأ الأدب وشتى المناشط الإنسانية العليا من هذه المساحة بين الواقع والمأمول، بين ما هو كائن وما يُرجى أن يكون، بين المبلوغ والمبتغى؛ فإذا تساوا كليهما وانعدمت المساحة بينهما انعدمت هذه المناشط إنشاء أو تلقيًا؛ فوحده فرق الجهد هذا – بلغة الفيزياء – بين المبلوغ والمبتغى ما يدفع الأديب والفنان والفيلسوف والعالم لإنشاء عمله، وتتوقف جودة العمل وعمقه على سعة البون بين الطرفين. ويبدو – لذلك – أن المبدعين في شتى ميادين النبوغ الإنساني إنما يُظهرون لونًا أو درجة من درجات العصاب، وهي من ناحية، وهذه الإبداع من ناحية أخرى، كلاهما ناتج عن هذه المساحة أو الفجوة الواسعة والهوة السحيقة. لذلك نجد أصحاب الفنون والآداب والإبداع بعامة، يغلب عليهم أن تكتسي نفوسهم بمسحة من الأسى مهما بدوا باسمين؛ ذلك أن الحضارة حين تنشط جذوتها فإنها تشد وثاقنا في شبكة من الغايات ما أيسر ألا نحققها في مجملها أو في جزء منها. ومن هنا نلحظ أن أمة من الأمم طغى على أهلها ركون وركود وانعدام الهم والهمة، بحيث لا يبتغون أبعد مما يبلغون، نراها لا تنتج فنّا ولا أدبًا ولا علمًا ولا فلسفة ولا شعرًا. والمتكيفون على الدوام، ومع كل شيء، نراهم لا يبدعون شيئًا ولا يضيفون جديدًا ولا يحبون المبدعين ولا المجددين، وهم يألفون أي واقع كان، ولا يتملكهم حلم ولا يداعبهم أمل، وهم ينجرفون مع الواقع لا يرون غيره ولا يتصورون أفضل منه، وهم على الدوام حيث كان الواقع مهما كان صائرًا إلى القبح، وهو صائر إلى القبح قطعًا ما دام قد عجّ بهؤلاء المتكيفين؛ لأنه إذّاك يكون الجمود والتقليد الذي يجعل الناس يستهلكون كل السبل ما داموا قد ساروا عليها جميعًا، فيضيق الخناق ويتزاحم الناس على أقواتهم من معين آخذ في النضوب لفرط الاستهلاك، فتتعاظم المشكلات الإنسانية والأدران الاجتماعية التي ما من قانون يمكن أن يجدي معها نفعًا أو يخفف من وطأتها مهما يُسَن من القوانين التي يراد منها حفظ النظام والتماسك وتصويب المسارات، وعساه أن يزيد الأمور تأزمًا والواقع قبحًا على قبح.

وعلى ذلك لا يكون الأدب سببا في تقدم حضارة وازدهارها بمقدار ما يكون ثمرة من ثمارها وتعبيرًا حقيقيًا عن ازدهار هكذا حضارة وثرائها لما يسلطه من أضواء على نوع المشكلات والقضايا التي تثيرها هكذا حضارة. وهو إن كان سببا في تقدم ما، فهو سبب للتقدم والارتقاء الروحي والوجداني لهذه الحضارة أو تلك، وبحيث تتزن كافة جوانب النمو الحضاري لتغدو حضارة سليمة ناضجة كما الكائن الحي؛ فيكون ثراء الأدب وعمقه آنئذٍ تعبيرًا عن وجدان حضاري نابض، ويكون شح الأدب وفراغه تعبيرًا عن وجدان حضاري ناضب. ويحيلنا هذا آخر الأمر إلى القول بأنه حتى الإنتاج الأدبي الأصيل الحافر في صميم الوجود البشري، لا بد مشروط بهذا الحراك الحضاري الصاعد، وإنّ وجود حالات من الأدباء النابغين في حضارة ذات وجدان ناضب لهو وضع ليس نادرًا فحسب، وإنما هو يوشك أن يكون شاذًّا. وليس يتحقق هذا الوضع الشاذّ أيضا إلا عبر اضطرار هذا المبدع إلى ظروف وخبرات وقراءات تحقق له آخر الأمر شيئًا مما يحققه الحراك الحضاري سالف الذكر.

ومما تقدم من القول، فإذا كان لا بد للعمل الأدبي، من حيث هو، أن يرتفع درجة على الأقل فوق العالم الذي نعايش بالحواس ونستجيب له بغرائزنا الخام كغريزة الجنس أو الغضب مثلًا، وإذا كان هذا العمل الأدبي لا يرضى بمجرد أن يوضع تحت مسمى الأدب والسلام، وإنما يريد لنفسه نصيبًا من العمق والمجد والأثر بأن يرتفع درجات عن عالم الحس إلى عالم المعنى والشعور، فإنه كيما ينال نصيبه من سعة الذيوع والانتشار أيضًا، كان عليه ألا يرتفع كثيرًا عن عالم الحس هذا، وبالأخص في هكذا سياق ثقافي ناضب كما أسلفنا؛ لأنه في هذه الحالة يخاطب نواحي ومستقبِلات من نفس القارئ هي ميتة إن كانت قد دبّت فيها الحياة يومًا، وهو إذن كمن يحاول أن يُريَ الأعمى أو يُسمِعَ الأصم أو يستنطق الأبكم! وهو حتى إن أراد أن يرتفع قليلًا ليمس من النفس مناطق علوية، فإنه، كيما يضمن قدرًا معقولًا من الانتشار، عليه أن يقتحم بعض تابوهات الثقافة حتى يضمن جماعة من المؤيدين وجماعة مضادة من المعارضين وما بينهما من جدل ولّاد لانتباهات المتلقين.

ويجمل بنا الآن أن نستخلص القول فيما بين نمطين من الإنشاء، أحدهما يغوص في الأعماق رأسًا لثقله البالغ، والآخر ينتشر طفوًا على السطح لخفته البالغة، وقد ضُرِب بينهما سدّ منيع يحيل الجمع بينهما إلى ضرب من المحال. وبتعبير أدق: إن العمق مع ضآلة الانتشار من ناحية، السطحية مع سعة الانتشار من ناحية أخرى، إنما يقع كلاهما على طرفي متصل، بحيث لا يقترب عمل أدبي من أحدهما إلا بمقدار ما يبتعد عن الآخر. هذا مع الوضع في الاعتبار أن هذا المتصل بكلا طرفيه جملة إنما يتحرك صعودًا أو هبوطًا بحسب الحالة الحضارية.

ويتلخص سبب استحالة هذا الجمع بين الطرفين في أمرين:

أولهما، أن الإناء ينضح بما فيه، بل لا ينضح الإناء إلا بما فيه؛ ففي بيئة حضاري مقفرة، يشح وجود النحل كما يشح وجود الزهر… يشح وجود أدباء على حظ عظيم من العمق كما يشح وجود مثقفين على حظ عظيم من ثراء الثقافة. بل إن حتى هذا الشح الشديد في هكذا أدباء لا يسلم من شح مضاعف؛ إذ لمّا كان الأديب يُنسَج على ذات النول من التجربة الحضارية العامة التي ينسج عليه سائر بني ثقافته؛ فإنه يغلب على من يُنشئون أدبًا عميقًا في حضارة خامدة أن يقلّدوا أدبًا عميقًا قد أنتجه أدباء حضارة زاهرة، لا أن يبتكروه هم من فيض قرائحهم لما يفتقدونه من تجارب حضارية متميزة. ومن هذا فإن القول “باعتماد الأعمال الأدبية الرديئة على حاجات السوق بدلًا من تغيير إرادة هذا السوق” – العبارة التي اختتمنا بها كلام الصياد لنبتدي بها حديثنا – هو قول بحاجة إلى نظر؛ ذلك أنه، وفق زعمنا، فإن أصحاب الأدب الرديء لا يدخرون أدبًا جيدًا بإمكانهم أن يقدموه لتغيير حاجات السوق، وآثروا – بدلًا من ذلك – أن يستجيبوا لحاجات السوق كيما يحققوا انتشارًا منشودًا؛ فمثل هؤلاء الأدباء إنما يقدمون أفضل ما عندهم فعلًا… برغم رداءته.

ثانيهما، أنه وإن وُجد مثل هذا الأديب الحافر في الأعماق في بيئة حضارية مقفرة، فإنه مهما يحفر ويحرث ما كان له أن يستخرج من بطون الأرض زرعًا ولا ثمرًا؛ لأن أرضًا مقفرة لا تُنبت إلا الشوك، ولأن من يرِد أن يستحثّ مشاعر الجلال والجمال في نفوس صمّاء تألّفت من جهل وقبح وتردّ وألِفَت واستجملت الجهل والقبح والتردي، كمن ينتظر إحساسًا من خلايا ميتة، أو يبتعث شذى من قالب الطوب! وقد صدق “المتنبي” حين قال: “ما لِجُرحٍ بميّتٍ إيلامُ”.

وإذا كان يتعذر أن ننشئ أدبًا جامعًا بين المجديْن، مجد الزمان ومجد المكان، الزمان لعمق يجعله خالدًا في الأجيال المتعاقبة، والمكان لتوفره على ما يثير ويستلفت الأنفس المتعاصرة. نقول إذا كان يتعذر مثل هذا الأمر في هذه اللحظة التاريخية من حضارتنا نظرًا لخمودها وترهلها، فإن هذا التعذر ليزداد بروزًا بالنظر إلى حالة التشظي الذاتي والمعرفي التي ساهمت فيها بنصيب كبير تكنولوجيا المعلومات، وبالأخص وسائل التواصل الاجتماعي؛ فما كان بمستطاع كتاب أن يفعله قديما لا يستطيع أن يصنعه ألف منشور وألف ساعة يقضيها المرء على وسائل التواصل. فأي معرفة وأي فكر وأي وجدان، وأي ذات تلك التي ننتظر أن تؤلفها منشورات وساعات ولحظات متناثرة تحيل العمر إلى فتات من وقت! مما يجعل التعويل على تمهيد التربة الثقافية وحرثها تمهيدًا لبذرها بألوان الفنون والآداب أمرًا أعزّ منالًا.

وبعد، لقد حاولنا في هذا المقال أن نلقي نظرة عجلى على طبيعة الأدب ووضعه في سياقه الاجتماعي والثقافي والحضاري كيما نتمكن من الحكم على عمل من الأعمال الإبداعية، الأدبية منها بوجه خاص والفنية بوجه عام، وكذا الحال الرؤى الفكرية وشتى المناشط الإنسانية العليا. وإنّا، وإن حاولنا الإثبات والبرهنة على قضيتنا الأساسية، وهي تعذر جسر الفجوة القائمة بين العمق من ناحية مع سعة الانتشار من الناحية الأخرى، فإنّا لم نشأ، في هذه النظرة العجلى، أن نسلط ضوءًا كاشفًا فاضحًا لمعيار الانتشار الذي يتخذه البعض دليلًا على جودة إنتاجهم. وحسبنا في هذا الصدد أن نصدم من لا يعرف، كما أصيب بالصدمة كاتب هذه السطور حينما عرف، حينما نقول بأن واحدًا من الأعمال الغنائية التي يسمّونها “مهرجانات” وما هي إلا “تهريجًا” فجًّا قبيحًا، والتي أحدثت ضجة و”تريند” أيضًا منذ شهور عدة، قد بلغت من سعة الانتشار بحيث بلغت أعداد المشاهدة لها على “اليوتيوب” قرابة النصف مليار مشاهدة! وحين قال لي أحد الشباب الصغار، محتجًا بروعة هذه الأغنية، بأنها قد بلغت هذا الرقم، فلم أصدقه، محتجًا له بأن هذا الرقم يجاوز تعداد سكان العالم العربي قاطبة من ناحية، كما أنه ليس كل الناس يهيمون بهذه المهرجانات كما تهيمون بها أنتم معشر الشباب الصغار من ناحية أخرى، بل لقد شككت في عدم استطاعته هو لقراءة الرقم… وما هي إلّا أن قام ببحث على الإنترنت ليجعلني أقرأ الرقم بنفسي وأُصدم من صدق ما قال! وإذا ما ردّ رادٌّ محتجًا بنسبية الشعور الجمالي، فإنّا نرد بإمكان القول بنسبية الشعور الجمالي وليس بنسبية الجمال ذاته! وفي هذا من تفصيل القول ما يجاوز المراد من هذا المقال.

كتبها: كريم علي السيد

كاتب وباحث حر في الفلسفة. فايسبوك


[1] هو مدرس بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، وهو أديب من الناحية الإبداعية، وكاتب وباحث في فلسفة الفن والموسيقى وعلم الجمال من الناحية الأكاديمية، بالإضافة لاختصاصه في علم أصول الفقه.

[2] – وليس ينبغي أن نسرف في هذا الأمر إلى آماد بعيدة؛ إذ أنه إذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده. فقد يحدث، نتيجة لطول الزمان، أن يحيا الناس المتأخرين في أمة ما كأنهم في حقل دلالي مختلف كلية عن الحقل الدلالي لذات الأمة ولكن في أزمنتها القديمة، بحيث تصبح هذه اللغة المتقدمة كأنها لغة أجنبية أو جزيرة دلالية مختلفة بالنسبة إلى المتأخرين من أبناء هذه الأمة… ولغتنا العربية أوضح مثال على ذلك.