كيف تعيش أفضل حياة ممكنة

طورت ثقافة البوب آليات متعددة لحجب حقيقة فنائنا عن تفكيرنا، حيث تخبرنا الإعلانات أننا سنبقى شبابًا إلى الأبد.

على عكس ذلك يجب أن نتعلم كيف نواجه رعب الموت وأن ننمي الشجاعة لاستكشاف أن الوعي بفناءنا يمكن أن يساعدنا في عيش الحاضر. تأمل الحكمة البليغة لسينيكا: “يعيش بشكل سيء المرء الذي لا يعرف كيف يموت بشكل حسن”. أحد أسرار القيام بذلك هو عدم قضاء الوقت في التفكير في رؤى كئيبة، ولكن إعادة تصور علاقتنا بالوقت نفسه.

 فيما يلي ثلاث أفكار مستوحاة من جوهر تعاليم الرواقية عن كيفية عيش أفضل حياة ممكنة:

عشاء في الآخرة

في رواية ليو تولستوي “موت إيفان إيليتش”، يقع المدعي القضائي، الذي كرس حياته المهنية للارتقاء في المناصب القانونية ومساعدة عائلته في تحقيق مكانة محترمة في المجتمع البرجوازي، على فراش الموت وهو في الخامسة والأربعين من العمر فقط، فيتساءل عما إذا كان قد ضيع حياته في مساعي سطحية، ويتأمل بمرارة: “ماذا لو كانت حياتي كلها خاطئة حقًا؟”.

تقدم القصة تجربة فكرية مفيدة. عندما نكون مستلقين على فراش الموت، كيف سنشعر حيال حيواتنا عندما ننظر إلى الوراء؟ هل سنشعر بالفخر بإنجازاتنا؟ هل سنحس أننا قد ارتوينا من الحياة؟ أم سنشعر، مثل إيفان إيليتش، بالندم؟ النقطة المهمة، بالطبع، هي أن مثل هذه التأملات يمكن أن تغير الطريقة التي نختار بها التصرف هنا والآن. يقترح الفيلسوف Roman Krznaric طريقة يسميها عشاء الآخرة لتأمل هذه الفكرة:

تخيل نفسك تَحضرُ عشاءً في الآخرة، حيث تتواجد كل “ذواتك” الأخرى اللاتي كان من الممكن أن يكن إذا اتخذت خيارات مختلفة. مثلاً: أنت الذي درست بجد أكثر للامتحانات. أنت الذي تركت وظيفتك الأولى واتبعت حلمك عوضًا عن ذلك. أنت الذي أصبحت مدمنًا على الكحول، وأنت الآخر الذي كاد أن يموت في حادث.. الخ.

ثم تنظر حولك إلى هذه الذوات البديلة. بعضها مثير للإعجاب، بينما البعض الآخر يبدو متعجرفًا ومزعجًا. القليل منها يجعلك تشعر بعدم الكفاءة والكسل. إذن، أيًا منهم لديك الفضول لمقابلته والتحدث معه؟ من الذي تفضل تجنبه؟ أيهم تحسد؟ من بين هؤلاء الكثيرين، هل هناك من تفضل أن تكون – أو أن تصبح؟

ما ليس في أيدينا

 من الدروس المهمة في الحياة أن ليس كل شيء في يدك. نعم، عليك بذل الكثير من الجهد لتحقيق غاياتك، ولكن الظروف والبيئة يشكلان ما يعرف بالحظ أو القدر الذي يقع خارج قدرتك.

تخيل مثلاً أنك ترغب في دراسة تخصص تقني معقد لكنه غير متوفر في بلدك ولا تستطيع السفر، أو أنك لا تمتلك المالي الكافي لشراء بيت أحلامك رغم عملك الكادح. نحن نعيش في الكون وخاضعون لميزانه وقوانينه، ولسنا نسيطر علي؛ لذلك من المريح أن نسلم أن بعض الأمور خارج قدرتنا مهما حاولنا، وهذا خيرٌ من القنوت وإضاعة العمر وراء مساعٍ قد لا تتحقق.

كذلك هو الأمر بالنسبة للماضي، فقد خرج من نطاق سيطرتنا. قد نتعلم من أخطاءنا، لكن الندم والحزن على ما فات لن يغير شيئًا، وسيعكر حاضرنا فقط. وكذا الأمر بالنسبة للمستقبل الذي لم يأت؛ من الحكمة أن نخطط ونضع أهدافًا، لكن الخوف من المستقبل ومما قد يأتي به سيقيدنا ويجعلنا نراقب الحياة وهي تفوتنا.

لذلك يجب أن نعيش الحياة هنا والآن مسلمين أننا مُسيرون بقدر ما نحن مخيرون، وذلك بالتأكيد سيشعرك بالخفة والحرية.

الزمن العميق

يمكننا إعادة التفكير في علاقتنا بالموت من خلال تبني منظور “الزمن العميق”، والاعتراف بأن الجنس البشري، وحياتنا، هي مجرد طرفة عين في القصة الكونية. وكما يُظهر وثائقي كوزموس، إذا قربنا عمر الكون إلى يوم فإن البشرية كلها عمرها ثانية في آخر هذا اليوم.

مع التذكر، أيضًا، أنه مثلما يوجد دهر عميق وراءنا، هناك أيضًا وقت عميق في المستقبل. أي كائنات قد تظل موجودة في غضون خمس مليارات عام عندما تموت شمسنا ستكون مختلفة عنا تمامًا مثلما تختلف عن أول بكتيريا وحيدة الخلية.

يُمكّننا الزمن العميق من إدراك إمكاناتنا المدمرة: في قرنين فقط من الحضارة الصناعية، مع عدم الاكتراث البيئي، عرّضنا للخطر عالمًا استغرق مليارات السنين ليتطور. ألا نتحمل مسؤولية الحفاظ على إمكانات الأرض التي تمنح الحياة للأجيال القادمة؟ في الوقت نفسه، يساعد وضع أنفسنا في الامتداد الكبير من الوقت على وضع فناءنا في المنظور الصحيح. نحن مجرد لحظة عابرة في سرد ​​أكبر وأطول بكثير.

في حين أن الزمن العميق بعيد المنال، فإن عجائبه في متناول خيالنا. يمكننا الوصول إلى هناك بمساعدة كتّاب خيال علمي أو كتاب تاريخ أو كتاب فلك، أو تأمل النجوم التي غادرت مكانها وربما فنيت قبل أن يصلنا ضوءها الحالي بأزمنة.

إن تعلم كيفية عيش حياة أكثر سعادة هو أمر تحت سيطرتك تمامًا. الأمر كله يتعلق بالموقف والعقلية والإجراءات التي تتخذها لخلق الحياة التي تريدها. يمكن أن يكون الأمر مرعبًا، ولكن إذا اتخذت خطوات صغيرة ومارست التأمل فيما سبق، يمكنك أن تجد سعادتك.