رجل الحضارة الإنسانيّة لا يموت

لا يخفى على عاقلٍ أنّ الحياة تتأرجح بين مجدٍ وصراع، كبواتٍ وانتصارات، المنتصرُ اليوم قد يكون الخاسرَ غداّ، إنها دورة الحياة تبدأ بالولادة وتنتهي بالموت، فمن المنطقيّ أن يملك كلّ ما فيها دورة حياةٍ خاصة به، يُولد يكبُر يحقق الهدف من وجوده ومن ثمّ يموت، ولكن هل هذا ينطبق أيضاً على مفهوم الحضارة؟

من المرجّح أنّ ما خطر ببالك الآن حضارات اندثرت وامبراطوريات عظيمة اختفت بلمح البصر، هذا ما قرأناه وأعدناه مراراً، للحضارة ثلاثة أطوار تبدأ بالإنشاء ومن ثمّ النهضة وتنتهي بالانحدار، لكن يبدو أنّ للحضارة الإنسانية منهجٌ تستطيع من خلاله المحافظة على النهضة والتّطور، ولعلّ هذا متفقً أصلاً مع الهدف من الحياة – من منظوري الشخصي – بكونها عمارةٌ للأرض وخلافةٌ للإنسان فيها..

لنأخذ تشبيهاً بسيطاً ولنعتبر إنشاء الحضارة أشبه بتفاعلٍ كيميائي يحتاج عناصر معينة بتراكيز محددة ودرايةً بطبيعة هذه العناصر وطريقة التعامل معها، فمن المؤكد أنّ العارف بها سيصل من جرّاء تفاعلها إلى المركب الذي يبغي، لكن إن كان جاهلاً في معرفة طبيعتها وخصائصها، فمن الممكن أن يستحضر ما يتوهم أنه علاجٌ وشفاء فإذا هو سمٌ قاتل ، ومن الواضح أنّ الخطأ لم يكن في ذات المواد وماهيتها ، إنّما في طريقة تحضيرها والتعامل معها ، وكذلك هي الحضارة مركبٌ مؤلّفٌ من عناصرعلى الإنسان أن يعيها ويفهمها ليصل للنتيجة المرجوة فمقياس نجاحها متوقفٌ على معرفة تامّة بعناصرها وهذا ما جهلته الحضارات لتندثر.

الإنسان

ذاك الكائن المعقد، الذي ما زال العلم لليوم يكتشف فيه جديد، صانع الحضارة وهادمها في آن، الذي ما إن أدرك قواعد اللعبة حتى أتقنها، سطحياً سيجد أن ماعليه إدراكه متناقض لكنّ النتائج ستثبت له الحقيقة ، فإدراك ماهيّة مخلوقيته و الوعي بتفاهة وجوده وجهان لعملة واحدة ، أي أن البحث وراء ما خلقنا لأجله بالتزامن مع وعينا أن أي خثرة دم في جسدنا من الممكن أن تنهي رحلة الحياة  توازن سيضعنا في بداية الطريق الصائب ، وإذا ماتمعّنا قليلاً سنجد أنّ المبالغة في إحدى الصفتين ستجعل من الانسان إمّا ذلولاً وإمّا متكبّراً، وهو ما لا يجب أن يتواجد في رجل الحضارة الانسانيّة ، إنّما التوازن الذي يجعله يعتز بالهدف الذي خلق لأجله مع اعترافه وإيمانه بمخلوقيته ، وذاك هو أصل البلاء وخاصةً إذا ما أسقطنا ذلك على عالم اليوم حيث هناك طبقةٌ من المتكبّرين الجباريّن يقابلهم ذاك الكم من الضعفاء متقبلي الذل.

الحياة

أنّى يتأتى للإنسان أن يدرك حقيقة مخلوقيته وغاية وجوده مالم يتأمل الحياة التي يعيشها ويدرك الغاية منها، يعرف متى يحرص عليها ومتى يزهد بها، فهي عمره، أشد ما يتعلق به، رأس ماله الذي يملكه، والذي يستدعي أن يغامر به كله في أحيان، وأن يتمسك به في أحيان أخرى..

اعتقادنا بأن الغاية من حياتنا هي عمرنا الحالي فحسب، أي أنّنا لا نملك عمراً سوى هذا الذي بين أيدينا أشبه بتعطيل عقولنا عن رؤية الحقيقة الجليّة، وعلى الرّغم من أنّها ممرٌ ضئيلٌ لابدّ منه لنعبر إلى مكانٍ نجد فيه نتيجة ما زرعنا، فهي السبيل الوحيد للغد ، لذا تملك من القدسيّة ما يجعل القاتل في نظرنا خارجٌ عن الفطرة الانسانيّة ، والمتمكّن من فهم هذه الحقيقة المتكاملة ، يظهر هذا في نمط معيشته فنراه لا يغضب إن جارت عليه الدنيا ولايسعد إن لانت له ، لإدراكه حقيقتها ومآلها .

الكون

وبعد أن عرف الانسان الغاية من وجوده ومن حياته لابدّ أن يعرف كيف يتعامل مع كل مايحيط به ممّا سُخّر لقدراته العضليّة والفكريّة ، وبالنظر لعالم اليوم فلقد وصل الانسان إلى حدٍ من المعرفة حول الكون وصفاته وخصائصه وما يحيط به من فضاء لم يُتخيّل لعلماء القرن الماضي الوصول لها ، ولكنّه مع ذلك ترك نفسه ترزح تحت وطأة الحياة الماديّة فذلّلته لها بدل العكس ، فجنح بعقله بطريقةٍ أقرب للسذاجة إلى الاعتقاد بسلطة الكون عليه لا سلطته على الكون .

والتطرف عن كلٍ ماسبق من اعتقاداتٍ متوازنة حول الانسان والحياة والكون سيؤدي حتماً إلى مانراه من اندثارات للحضارات ، فالاعتقاد السائد أنّ للحضارة دروة حياة عضويّة ليس إلا تراخٍ عن دراسة أسباب الانحدار وطرق المحافظة على القوة ، فكأنّما هي مخلوقٌ استنفد طاقته في البقاء فتكوّن داخله أسباب موته، إلا أنّ ذلك ليس من المنطق في شيء ، وبالعودة لمثالنا في البداية ، فالحضارة كأيّ تفاعلٍ كيميائي متّى ماتوفر لها شروطها الصحيحة وصلت إلى الذورة وعرفت سبل الحفاظ عليها ولا سبيل لذلك إلا بممارسة الحياة بدافع المسؤوليّة لا بدافع التعلّق والتعشّق..

ذلك كون الحضارة تقوم على جملة سلوكيات وتصرفات معينة متى ما تمكّن رجل الحضارة منها تمكّنت له ، فالصلاحيات والمقومات المعنويّة لشيءٍ ما لا تهرم ولا تشيخ ، إنما يشيخ القائم بها، وكون الانسان يتناوب على القيام بها بتعاقب أجياله فليس ثمّة من مانعٍ لبقاءها في ذروة شبابها وقوتها.

نحن لا نقول أن ما من حضارة قامت على ما سبق ذكره من عناصر، إنّما هي قد نالت المعرفة في أحد العناصر ليس إلّا، ولذلك وكما تقول سنة الكون وصلت لمرحلةٍ من الانحدار ، ومن هنا نستدلّ على الشرط الذي يربط كل هذه العناصر ببعضها ألا وهو الكليّة ، فكيف لي أن أفهم طريقة عمل المعالج في الحاسوب مالم أدرس جميع أجزاءه وأفهم طريقة ارتباطها ببعضها ..

فالوجود الكوني وحدةٌ مترابطة لا تستقيم معرفة جزء منها مالم تقف على أساسٍ متينٍ من البصيرة العلميّة الكليّة، فوصولنا لمعلوماتٍ جزئيّة صحيحة لا ينفي أنّها معلوماتٌ مقطّعة ناقصة كونها لم تحط بالمجال الذي أتت منه ، وهذا في الحقيقة من أسوأ ألوان الجهل المركب ، أن تتبحر في معرفة جزئيّة دون التأمل في الكليّة التي أتت منها ، ولعلّ الحال الذي وصل إليه كثيرٌ من العلماء والفلاسفة في نهاية حياتهم وبعد قطعهم أشواطاً في التعلم والمعرفة يؤيد ما نقول ، فالغاية من معرفة الشيء أن تكون شاملة لمجموعه الكلي محيطة بإطاره الذاتي ولذلك تضعنا أمام تحدي معرفة من أين نبدأ وكيف نسير  ..

كثيرةٌ هي المفاهيم التي تعلمناها بشكلٍ خاطئ لأسبابٍ لست هنا بصدد تفنيدها، إنّما لإعطاء عقولنا الحق في إعادة التفكير فيما اعتقدنا أنّه بديهيٌ فطري ، يحقّ لعقولنا الخروج عن الإطارات التي أحطناها بها والتحليق في فضاء العلم والمنطق والمعرفة لنكون خبراتنا وآراؤنا نتاج تجربةٍ لا نتاج تلقين .

كتبتهاولاء متاعة

فايسبوك/لينكدإن