انتهى عام 2025 مع أن المسلسلات الجيدة انتهت مع مسلسل Severance، ووكل ما أتى بعد ذلك هو تكرار لذات الأفكار؛ حيث نلاحظ مثلاً، أن مسلسل IT هو ذاته مسلسل Stranger Things مع اختلاف في أسماء الشخصيات فقط. مع بداية 2026 مع ذلك خرج شيء فريد ومؤثر يذكرنا بمسلسل The Good Place.
في المسلسل الآنف الذكر استكشفنا الفلسفة عن طريق الحياة الآخرة، في المسلسل الجديد نستكشفها في السجن.
ولعل المرء لا يجد لنفسه مذهباً في البحث الفلسفي الحق، ولا مسلكاً لاستكشاف الوجود، أصدق من عزلة السجن. فهناك، حيث تنكمش الدنيا وتضيق الآفاق، تتضخم في نفس السجين قضايا كالندم، والسببية التي تربط المقدمات بالنتائج، وطبيعة الحرية. في السجن، يبدو الزمن لغزاً محيراً؛ فهو فراغٌ ممتدٌ لا قرار له، لكنه ينسلُّ في آنٍ واحد من بين الأصابع بسرعةٍ مفزعة. يواجه السجين ليله ونهاره بغير سميرٍ سوى أفكاره، فيجد نفسه، طوعاً أو كرهاً، غارقاً في لُجّة الفلسفة العملية، متسائلاً عن غاية الوجود، وعن مكنون النفس: هل في مقدور الإنسان أن ينسلخ من ماضيه ليرسم لنفسه فجراً جديداً؟ وليس غريبًا أن واحد من أعظم كتب الفلسفة، ألا وهو عزاءات الفلسفة لبوثيوس، قد صُور لنا من غياهب السجن.
ومن هذا المنطلق، يتبدّى لنا أن تدريس الفلسفة في غياهب السجون ليس ترفاً ذهنياً، وإنما ضرورة منطقية. في هذا العمل الدرامي الرائق، والمقتبس عن مذكرات ’آندي ويست الموسومة بـ “حياة في الداخل”، نرى تجسيداً ذكياً لهذه المعاناة. لقد صاغ هذه الملحمة ’دينيس كيلي، صاحب الباع في تصوير التشاؤم الإنساني، ليقدم لنا شخصية ’دان، الرجل الذي اتخذ من الفلسفة ملاذاً يفرُّ إليه من ماضٍ أليم. قضى كل من أب وأخ وعم ’دان سحابة أعمارهم خلف القضبان، فظل يطارده هاجسٌ ملحٌّ بأن “القدر البيولوجي” قد حكم عليه باتباع خطاهم، مهما حاول الفكاك.
’دان ليس مجرد مدرس عادي. هو روحٌ معذبةٌ يعصف بها وسواسٌ قهري مُنهك، تُمثله تلك الصور المتكررة لموقد الغاز الذي يتحسسه في ريبة، وكأنه رمزٌ لقلقه الوجودي الذي لا يهدأ. تطارده أطياف والده الذي انقطعت بينهما الأسباب، فيسأل نفسه في حيرة: أنا ابن من؟ أأنا صنيعة طبيعتي الفطرية أم نتاج تلك البيئة القاسية؟ وتأخذنا الذاكرة إلى مشهدٍ مفصليٍّ في سيارة العائلة؛ حيث الأب يغني بنبرةٍ حادة توحي بالعظمة الزائفة، بينما يمارس في الوقت ذاته تنمره على الضعفاء وسرقاته الرخيصة. إنه مزيجٌ سامٌ من الشعور بالقوة والضعف في آن، وهو الإرث الذي يخشى ’دان أن يكون قد تغلغل في جيناته.
وحين تطأ قدما ’دان أرض السجن معلماً، تتبدى هشاشته النفسية؛ فقد استعاض عن شجاعة الروح بحذاءٍ ذي مقدمة حديدية يظن أنه يمنحه سِيماء الرجولة. وهناك يواجه كابوسه الأكبر في شخصية ’كيث، السجين المثقف الذي يجمع بين ذكاء الفلاسفة ومكر المجرمين. إن ’كيث يمثل المرآة التي يخشى ’دان أن ينظر فيها؛ فهو يدرك زيف المثالية المدّعاة، ويمتلك حساً ساخراً ينفذ به إلى أعمق جراح ’دان النفسية.
أما حياة ’دان في ظاهرها، فليست إلا رحلةً مضنيةً من التخبط والإخفاق؛ إذ يبدو الرجل عاجزاً عن مواءمة نفسه مع مقتضيات الاجتماع الإنساني، فتراه يقطع أواصر صلاته في حدةٍ وعجلة، ويُفسد بخرقهِ أبسط بروتوكولات المحافل الاجتماعية، وكأنَّ في أعماقهِ تمرداً خفياً على كل ما هو “نظام”. بيدَ أنَّ لُباب القصة وجوهرها يتجليان في تلك العلاقة الفريدة التي تربطه بشقيقه ’لي؛ الرجل الذي صهرته التجارب في السجون ومرارة الإدمان، فخرج منها بـ اتزانٍ لا يملكه ’دان المتفلسف.
’لي هو النقيض الواثق؛ رجلٌ سار على خطى والده فَعَرف المُنتهى، ولم يعد لديه فضولٌ يحمله على نبش الماضي كما يفعل شقيقه. هو يملك قلباً يسعُ الضعفاء، فيقتفي أثر الضالين من رفاق السوء لِيُقيل عثرتهم، لكنه – في الوقت ذاته – يقف عاجزاً عن فهم تلك اللجاجة التي تدفع ‘دان لاقتحام غياهب السجون طلباً للمعرفة.
ولعلَّ أسمى ما في هذا العمل الدرامي، ترفعهُ عن السقوط في هوة المواعظ المبتذلة أو التعالي الأجوف. فلا ‘دان يخرج من هذه التجربة حاملاً دروساً وعظيةً تُصلح شأنه، ولا السجناء يتحولون إلى قديسين بمجرد تلاوة الحِكم. إنَّ حياة ‘دان تكاد تكون نبوءةً يسعى هو بنفسه لتحقيقها في حماقةٍ واضحة، وهو ذات المصير الذي يرزح تحته السجناء.
هنا، تتجلى الفلسفة في معناها الوجودي العميق؛ فهي بالنسبة لأولئك المحبوسين هي صخرةٌ يتشبثون بها وسط عواصف الفوضى والعدم؛ الملاذ الذي يسمح لهم بالاحتجاب عن قسوة الواقع، والمنظار الذي يستكشفون به خبايا ذواتهم المحطمة.
إنها دراما تُشرح النفس الإنسانية في أضعف حالاتها وأقواها، لتضعنا أمام السؤال الخالد: هل العقل كفيلٌ بكسر قيود القدر، أم أن الإنسان سجينُ ماضيه وإن تحرر من الأصفاد؟