قبل آلاف السنين ابتكر المصريون القدماء تقويمًا دقيقًا لتنظيم أعيادهم، قُسّمت السنة إلى ٣٦٥ يومًا وثلاثة فصول. تتخللها أعيادًا بمواعيد ثابتة، ارتبطت معظمها بالغناء والرقص والموسيقى. يصف المؤرخ اليوناني هيرودوت أحد هذه الاحتفالات، وهو عيد الإلهة باستت (آلهة مصرية ارتبطت بالحماية من الأمراض والأرواح الشريرة)، قائلًا إن المصريين كانوا يسافرون عبر النيل، رجالًا ونساءً؛ تهزّ بعض النساء أجراسهن، وينفخ بعض الرجال في مزاميرهم أثناء الرحلة، بينما يغني الآخرون ويصفقون. وعند الوصول إلى موقع الاحتفال، يبدأ المشاركون بتقديم القرابين، وتستمر الأجواء في الغناء والرقص.
ظل الاحتفال بالأعياد متجذرًا في ذاكرة المصريين عبر القرون، حيث شكّلت الموسيقى والغناء جزءًا أساسيًا من هذه المناسبات. ورغم الجدل الذي أحاط بالغناء والموسيقى بين الفقهاء في العصور الإسلامية، بقيت أجواء العيد حيّة في الشوارع، تتعالى فيها أصوات التهاني والأغاني الخاصة بالأعياد، وظلت التقاليد الموسيقية القديمة حاضرة، لتشكل أجواء العيد كما نعرفها اليوم.
يا ليلة العيد، أم كلثوم
مع إعلان دار الإفتاء المصرية ثبوت هلال عيد الفطر من كل عام، تتردّد في البيوت المصرية جملة لم تتغير عبر السنوات:
يا ليلة العيد آنستينا
وجددتي الأمل فينا
يا ليلة العيد
جملة أصبحت علامة مألوفة لبداية يوم الوقفة، تُسمع في كل بيت تقريبًا مع لحظة إعلان العيد.
تبدأ الحكاية قبل أكثر من ثمانين عامًا مع أم كلثوم تلتفت في طريقها لصوت بائع متجول يدندن جملة عابرة: “يا ليلة العيد أنستينا”، فتتوقف عندها، وتحفظها على الفور.
وعندما دخلت مبنى الإذاعة والتلفزيون، وجدت الشيخ زكريا أحمد والشاعر بيرم التونسي، وطلبت من بيرم أن يكتب أغنية تبدأ بهذه الجملة. لكن تعرّضه لوعكة صحية مفاجئة حال دون إكمالها، فتولى أحمد رامي كتابة الكلمات، بينما وضع اللحن رياض السنباطي.
ظهرت الأغنية لأول مرة ضمن أحداث فيلم دنانير عام 1940، لكنها أُزيلت لاحقًا لتُقدّم كأغنية مستقلة، وتبدأ رحلتها في البيوت المصرية، حيث ارتبطت بليلة العيد، وبقيت تُسمع عامًا بعد عام، كجزء من طقوس يوم الوقفة وذاكرته.
في 17 سبتمبر 1944، أحيت “الست” ليلة عيد الفطر في حفل ساهر بالنادي الأهلي. وبينما كانت تؤدي الأغنية وصل الملك فاروق إلى مكان الحفل، وأمر بعدم توقفه، واتخذ مقعده وجلس ينصت لغنائها باهتمام.
بذكاء وحسن بديهة، انتقلت أم كلثوم والفرقة الموسيقية سريعًا إلى الكوبليه الأخير من أغنية “حبيبي يسعد أوقاته”، وغنّت ترحيبًا بالملك:
“حبيبي زي القمر قبل ظهوره يحسبوا المواعيد
حبيبي زي القمر يبعث نوره من بعيد لبعيد”
ثم عادت إلى “يا ليلة العيد”، لكنها أضافت إلى كلماتها جملتين مرتجلتين، أهدتهما للملك:
“يا نيلنا، ميتك سكر وزرعك في الغيطان نور
يعيش فاروق ويتهنى ونحيي له ليالي العيد”
لم يمر هذا التصرف مرورًا عابرًا؛ فقد نال إعجاب الملك، الذي قرر تكريمها بمنحها نيشان “الكمال” من الدرجة الثالثة، وهو من أرفع الأوسمة التي كانت تُمنح للسيدات آنذاك. وبعد انتهاء وصلتها، استدعاها، ووجه لها الشكر، وقلّدها الوسام، لتصبح أم كلثوم أول فنانة مصرية تنال لقب “صاحبة العصمة”.
هل هلال العيد، نور الهدى
ارتبطت أغنية “هل هلال العيد” منذ خمسينيات القرن العشرين مباشرة بظهور هلال العيد، لتصبح جزءًا من الاحتفال الموسيقي بالأعياد في مصر. غنتها المطربة نور الهدى، الصوت اللبناني الذي لمع في السينما والموسيقى المصرية خلال الأربعينيات والخمسينيات، وأصبح أحد أبرز الأصوات النسائية في تلك الحقبة.
ظهرت الأغنية ضمن فيلم “عايزة أتجوز”، الذي شاركت فيه نور الهدى وفريد الأطرش، وكانت من أوائل المقطوعات الفنية التي ربطت مشاهدة هلال العيد بالموسيقى في السينما المصرية، قبل أن تستمر لفترة طويلة في الإذاعة كأغنية مخصصة ليوم وقفة العيد:
هل هلال العيد على الإسلام سعيد
هل هلاله علينا مبارك
شاكر فضل الله تبارك
كان هذا التعاون هو الأول بين نور الهدى والمطرب الشهير فريد الأطرش، الذي لحن الأغنية بعد أن كتب كلماتها الشاعر بيرم التونسي. فيما بعد، أعاد فريد الأطرش أداء الأغنية بصوته، ما ساعدها على الانتشار بشكل أوسع وترسيخ ارتباطها بذكر هلال العيد في مصر.
شرّفت يا عيد، ماهر العطار
تبدأ كلمات أغنية “شرّفت يا عيد” بصيغة ترحيب بسيطة، تخاطب العيد كأنه ضيف طال انتظاره، في جملة قصيرة وسهلة الترديد:
حسب المواعيد شرّفت يا عيد
والفرح معاك يكتر ويزيد”
الكل سعيد فرحان بالعيد
منحت هذه البساطة الأغنية طابعها الشعبي القريب من الناس، وأعطتها إحساسًا بالبهجة المعتادة في أجواء العيد. قدّمها المطرب ماهر العطار، الذي لمع اسمه في الستينيات والسبعينيات، بأجواء خفيفة وإيقاع بسيط وكلمات مباشرة، ما جعل الأغنية سهلة الحفظ والترديد. لم يُحدد تاريخ تسجيلها بدقة. أصبحت “شرفت يا عيد” جزءًا من أجواء الاحتفال والفرحة العائلية، ترافق المصريين في مواسم العيد داخل البيوت.
الليلة عيد، ياسمين الخيام
لم تحظَ أغنية “الليلة عيد” بصوت ياسمين الخيام بشهرة كبيرة مقارنة بأغاني العيد الكلاسيكية مثل “يا ليلة العيد” أو “أهلًا بالعيد”، لكنها علقت مع ذلك في الأذهان كجزء من أجواء موسم العيد عبر سنوات من الاستماع.
قدّمت ياسمين الخيام الأغنية لأول مرة خلال احتفالية للعيد أقيمت عام ١٩٨١، وكتب كلماتها عبد الوهاب محمد ولحنها الموسيقار إبراهيم رأفت. ببساطتها وحيويتها، حملت كلمات الأغنية حالة من البهجة والسعادة:
شوفوا الزهور
شوفوا الطيور
كانت زمان حلوين كده
شوفوا السما
شوفوا النجوم
كانت زمان حلوين كده
أهلًا بالعيد، صفاء أبو السعود
قبل نحو أربعين عامًا، بحث الملحن جمال سلامة عن أغنية للأطفال تحمل بهجة العيد، وتقترب في حضورها من “يا ليلة العيد”. كان التلفزيون في ذلك الوقت بحاجة إلى عمل جديد يواكب المناسبة، فبدأ يبحث عن عمل يملأ هذا الفراغ.
عندما عرض سلامة كلمات الأغنية التي كتبها عبد الوهاب محمد على المطربة صفاء أبو السعود- “أهلاً أهلاً بالعيد.. مرحب مرحب بالعيد”- لم تتحمس لها في البداية، وبدت مترددة أمام بساطة الكلمات، لكنه شجعها وأقنعها بأن الأغنية تحمل طابعًا مختلفًا، ويمكن أن تحقق انتشارًا واسعًا.
لم يكن التنفيذ تقليديًا أيضًا؛ فبدلًا من تصويرها داخل أستوديو مغلق، كما كان شائعًا في تصوير الأغاني آنذاك، اختار المخرج شكري أبو عميرة تقديمها في صورة أقرب لما نعرفه اليوم بـ”الفيديو كليب”. خرجت الكاميرا إلى الشارع، وشاركت مجموعة من الأطفال في مشاهد احتفالية، تنقّلوا خلالها بين الألعاب والحدائق، في رحلة امتدت لعدة أيام، صُوّرت في محيط جامعة القاهرة وحديقة الحيوان وبرج القاهرة.
مع عرضها، لاقت الأغنية قبولًا واسعًا، وتكرّس حضورها مع الوقت، حتى أصبحت من الأغاني التي تُذاع صباح أول أيام العيدين، الفطر والأضحى، عبر القنوات التلفزيونية المصرية، وتعود كل عام كجزء ثابت من أجواء العيد في البيوت.

ياسمين شبانة
صحفية مصرية وباحثة دكتوراه، مهتمة بتغطية قضايا النساء والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.