هل نتقاتل في الفلسفة؟

أتذكر جدالاً دار بيني وبين أحدهم حول أمثلة النجاح في المجتمع؛ كان كلّ منا متشبثًا بشدة برأيه ويورد العديد من الأدلة والانتقادات والأمثلة بحماس لإثبات وجهة نظره. لكن فوق ذلك، يصف كل طرف الآخر بأنه مخطأ بشدة وغارق في جهله وما شابه في صراع للانتصار على الآخر. وأيما شخص حضر هذا النقاش كان سيصفه بسهولة بأنه كان قتالاً. الغريب في الموضوع الآن، هو أني كنت مستمتعًا بهذا القتال بشدة ولن أتجاوز الصواب إن قلت أني شعرت بدفق من الأدرينالين والحماسة كالتي تصيب مصارع رياضي. “أحدهم” هذا كان صديقي المقرب. لم نحل مسألة عظيمة في نهاية القتال؛ لكن، أيضًا، لم ينتج عنه بغض أو كره بيننا، بل أني صراحة أفضل هذه المجادلة على أي من المحاورات السطحية مع آخرين، واتطلع لتكرارها حول مواضيع أخرى دائمًا- وهو ما يحدث بالفعل-، وهي ما يجعل هذا الصديق مقربًا في الجزء الأكبر. ولعل القارئ دخل في هكذا جدال مرة واحدة على الأقل ويعرف ما أتحدث عنه تمامًا.

أتفهم أنه في معظم الأوقات يجب أن يسعى المرء لإعطاء نقد بناء وليس مدمراً، وأن يكون متسامحًا ومتفهمًا لمساعدة الناس على التغلب على أخطائهم ومشاكلهم بدلاً من استخدام نقاط الضعف هذه بمثابة فرصة للتهجم. ففي النهاية نحن جميعا نسعى لنفس الأمور ونفس الحقيقة ولكن بصور متعددة. فبدل أن تجادل فلان بـ “أنت مخطأ” يمكن أن تحاوره بـ “معك حق، ولكن..”. أوافق على أن هذه قواعد الحياة في العموم. لكن هل من الضروري أن يلعب البالغون وفق قواعد وأخلاقيات رياض الأطفال؟

معظم الفلاسفة المعاصرين يعتقدون أن الفلسفة تحتوي على اقتتال وخلاف بما فيه الكفاية. ويؤمنون بوجوب التحرك في الاتجاه المعاكس والأقل درامية وهو المزيد من التسامح، والمزيد من الدعم، والعطف، والتعاطف. في بعض الأحيان يشير المؤيدون لهذه الفكرة بأن الاقتتال حول الآراء ينتج فلسفة سيئة وانتصارات رخيصة مبنية على ظاهر الأمور وليس النقد الدقيق والعميق.

بعض الفلاسفة لا يرفضون المبارزة الفلسفية، لكنهم يرون أن استخدام الدحض والمناقشة للتوصل إلى اتفاق أكثر جدوى. لكن كيف نقرر متى يجب أن نتصرف بلطف ومتى يجب نقاتل؟ قد نقارن بين النهجين فيما يتعلق بهدف النشاط الفلسفي: تأمين الإجابات عن الأسئلة. أعتقد أن القتال يفوز على التصرف بلطف في تلك المعركة، إذا جاز التعبير. لكنني لن أثير هذه القضية هنا. أنا مهتم بأن أقدم نوعًا مختلفًا من الحجة، تلك التي تميز نشاط الفلسفة، والتي تعتبر شكلاً من أشكال التفاعل الإنساني. في الواقع، من أجل جعل قضيتي على المستوى المناسب من العمومية، اسمحوا لي حتى أن أضع جانباً الفلسفة لمدة دقيقة، وأنظر فقط في ماهية القتال، ولماذا نفعل ذلك.

هل القتال بشكل عام هو وسيلة جيدة لحل المشاكل؟ بالتأكيد لا. خذ حالة مبسطة: شخصان متساويان في القوة والموارد يتقاتلان على ذهب وجداه. في هذه الحالة سيدفع كل شخص مبلغًا من المال مقابل أدوات القتال أو استئجار مقاتلين وهو في النهاية يُـقتطع من قيمة الذهب. إذاً، من الأفضل أن يتفاوض الطرفان ليحصلا على النصف بدلاً من قيمة مجهولة من الذهب قد تصل لكامل قيمته أو ما يزيد في حال توسع القتال.

القتال هو وسيلة غير مثالية لتخصيص مورد ذي قيمة مستقلة – شيء نلجأ إليه عندما تنهار المفاوضات. هذا نقد جيد للقتال. لكنه لا يمتد إلى الحالة التي تفتقر فيها الموارد إلى قيمة مستقلة ويتم البحث عنها على وجه التحديد لأنها توفر فرصة للقتال. في بعض الأحيان أريد ما تريد لأنك تريده فقط. والسبب في أنني أريد أن أقاتلك هو معرفة أي منا أقوى. في هذا النوع من الحالات، أرفض قسمة النصف، ليس لأنني أعتقد أنه يمكنني الحصول على حصة أفضل، ولكن على وجه التحديد لأنني لا أعتقد أنني أعرف، ومعرفة ما إذا كان يمكنني تحقيق ذلك هو هدفي الحقيقي.

القتال على مورد مستقل سيء كما أسلفنا، وله فوق ذلك تبعات أكثر سوءًا في حال تجاوز المورد وتحوله لوسيلة فرض سيطرة. مع ذلك، هنالك العديد من الرياضات المبنية على القتال ويكافأ الإنجاز والتفوق فيها، لماذا؟ لأن القتال هنا ليس مبنيًا على تحقيق مكسب لطرف على حساب الطرف الآخر؛ هو وسيلة لاكتشاف القوة وتدريبها- في مثل هذه الحالات، تكون جائزة المعركة هي معرفة الشخصية. هذه مشكلة يعتبر القتال فيها حلاً فعالاً وعقلانيًا. القتال الذي يتم بشكل صحيح، هو شكل من أشكال التحقيق. وهذا يعيدنا إلى الفلسفة.

يتحدث شوبنهاور في كتابه المشهور عن أهمية المبارزة الفلسفية لتطوير الأفكار من جميع النواحي، والتي قد يخفى علينا بعضها من دون المجادلة. ويصر نيتشه على استخدام لغة قتالية وغير مهادنة لطرح أفكاره لأن اللطافة الزائدة ستزيد من غرور المغتر بأفكاره وتوحي له بأنه محق وهو مخطأ. ومن المثير للاهتمام هنا أن الخسارة في قتال فلسفي قد تكون مرغوبة مثل النصر. فلا تعرف أبدًا مدى قوة فكرة ما، ومقدار التمحيص الذي ستقاومه، إلا عندما تخسر؛ كما يعرف الرياضي نقاط ضعفه فقط عندما يهزم. هذا محزن ولا شك، ولكن عندما تخسر ستختبر حدود قدرتك على التفكير وتصل عدمك المعرفي. وهو ما أكده سقراط عندما وصف الفلسفة بأنها استعداد للموت.

في غاية الأهمية هنا تذكر أن شوبنهاور الذي أشار لعدد من القواعد الجانبية، واللاأخلاقية أحياناً، للفوز بأي نزال فكري يدعو في نهاية كتابه إلى اختيار الخصم المناسب لأنه يعلم أن مسألة القتال الفلسفي هذه زلقة. فكل ما قلته عن أهمية المحاورة ومتعة القتال حول موضوع فلسفي ينطبق فقط في حال كان الطرف الآخر متفهمًا ويستمتع معك بالنزال كنشاط فكري قد يصل أو لا يصل إلى إجابات محددة، وليس هدفه إحراج الطرف الآخر أو السخرية من آراءه أو أمر خارج عن غاية القتال تمامًا كشخص سادي أو متنمر يجد متعة خاصة في العنف أثناء ممارسة رياضة قتالية. النقطة هنا، وكما في الرياضة، هي عدم تصدير هذا القتال إلى خارج الحلبة.

كيف تختلف بالرأي دون أن تنزع نهار أحد؟