زينو

كان زينو من إيليا (c.490 – 430 قبل الميلاد) رائدًا في استخدام الحجج المنطقية لتبرير الأفكار؛ على سبيل المثال، تتناقض فكرة معلمه باراميندس عن واقع أبدي لا يتغير مع أدلة حواسنا، لكن زينو أظهر أن التغييرات التي يبدو أنها تحدث في العالم مستحيلة منطقياً وهي لا شيء سوى وهم. قام بذلك من خلال تقديم عدد من المفارقات المنطقية التي تؤدي إلى استنتاجات سخيفة على ما يبدو.

أشهر مفارقات زينو هي تلك التي تتعلق بالحركة (موقف جسم ما من مكان إلى آخر)، والتي اعتبرها بارميندس نوعًأ من التغيير الغير مقبول. هو في مفارقة الانقسام الثنائي، يوضح كيف أن المشي العادي الذي يغطي مسافة محدودة يمكن أن يصبح مهمة لا نهائية تنطوي على إكمال مراحل لا حصر لها، وبالتالي مستحيلة.

في مفارقة أخيل والسلحفاة، يقدم تفصيلاً لسباق لا يمكن فيه لعداء سريع اللحاق بسلحفاة بطئية، مما يسخر من الأفكار التقليدية للسرعة والحركة.

تتعلق المفارقة الثالثة بسهم طائر، يظهر زينو بذكاء أنه لا يتحرك في الواقع. حيث أننا إذا قبلنا أن اللحظة هي برهة من الزمن بدون مدة، فعندئذ، في أي لحظة معينة، فإن السهم الطائر ثابت في موقعه الحالي. يقول زينو أن الوقت يتقدم من خلال عدد لا نهائي من اللحظات: إذا كان السهم بلا حراك في كل لحظة، فإنه لا يتحرك أبدًا. وبالتالي فإن الحركة مستحيلة، لذا لابد أن إحساسنا بالحركة وهمي.

يبدو أن منطق زينو لا تشوبه شائبة، ومن الصعب العثور على أي خلل منطقي في حججه. تم استخدام التقنيات الرياضية الحديثة، مثل حساب التفاضل والتكامل، لحل مفارقاته، دون أن ترضي الحلول الجميع. ومن هنا، اعتبر الفيلسوف برتراند راسل المفارقات “حذقة وعميقة بشكل لا يُقاس”، وزينو عبقري رياضي.

إذًا كيف تمكن زينو من أن يشككنا في أمر بديهي؟

 تعتمد حجة Zeno على افتراض أنه يمكنك تقسيم المكان (مسار السباق) والزمان (كم من الوقت يستغرق الجري) بشكل لا نهائي. من خلال تقسيم مسار السباق إلى عدد لا نهائي من الأجزاء، حولت حجة زينو السباق إلى عدد لا نهائي من الخطوات التي بدت وكأنها لن تنتهي أبدًا. ومع ذلك، فإن كل خطوة تتناقص، وبالتالي فإن تقسيم المساحة وبالتالي الوقت إلى قطع أصغر وأصغر يعني أن مرور الوقت “يتباطأ” ولا يمكن أن يصل أخيل أبدًا إلى اللحظة التي يتجاوز فيها السلحفاة. ولكننا نعلم أن الوقت لا يتباطأ بهذه الطريقة. إن افتراض أن المكان والزمان قابلان للقسمة إلى ما لا نهاية هو خطأ.

هناك عدة طرق لإعادة صياغة حجة أخيل لأخذ عقولنا في اتجاه مختلف قليلاً. مثلاً، المفارقة باسم مصباح طومسون، حيث نأخذ مصباحًا كهربائيًا ونضغط على الزر لتشغيله، ثم نضغط مرة أخرى لإيقاف تشغيله.

المصباح مطفأ في البداية وأقوم بتشغيله. بعد دقيقة واحدة أطفئه. بعد نصف دقيقة، أعيد تشغيله. بعد ربع دقيقة أقوم بإيقاف تشغيله. بعد ثُمن الدقيقة، أعود مرة أخرى وهكذا، في كل مرة أخفض فيها نصف المدة التي أنتظرها قبل تشغيل المصباح أو إيقاف تشغيله حسب الاقتضاء. بعد دقيقتين، (مجموع السلسلة اللانهائية 1 + 1/2 + 1/4 + …)، سأكون قد انتهيت من هذا التسلسل اللامتناهي من الإجراءات. إذ عند هذه النقطة لن يظهر هل المصباح مضاء أم لا؟

كما هو الحال مع إصدار زينو الأصلي من المفارقة، تستند هذه الحجج على قابلية تقسيم الوقت اللانهائية، ومفارقة الإضاءة التي يمكن رؤيتها توضح أن الوقت ليس قابلاً للقسمة بشكل لا نهائي بهذه الطريقة.  لتوضيح الأمر أكثر، هناك هذه الطرفة أيضًا:

يقول البائع للسيدة: هذه المكنسة الكهربائية رائعة، ستختصر عملك للنصف.

السيدة: ممتاز! إذًا أعطني اثنتين.

من المثير للاهتمام أن مفارقة أخيل كانت واحدة فقط من 40 حجة يعتقد أن زينو قد أبدعها، منها حجة السهم السابقة. وتمكن زينو في حججه من إظهار أن الكون لا يمكن أن يكون مستمرًا (قابلًا للانقسام إلى ما لا نهاية) ولا منفصلًا (متقطعًا، يتكون من أجزاء محدودة وغير قابلة للتجزئة).

إن هذا التناقض الظاهر في طبيعة الواقع يتردد صداه من خلال مفاهيم تم تطويرها على مدى 2000 عام بعد أن حياة زينو وذلك من خلال نظرية النسبية. على سبيل المثال، يُعتقد الآن أن الضوء له طبيعة مزدوجة، يتصرف أحيانًا كجسيم أو فوتون (منفصل)، وفي أوقات أخرى مثل الموجة (مستمر). في الواقع، حتى إيمان زينو بالأحادية – في واقع جامد لا يتغير – والذي كان أساس إنتاجه للحجج في المقام الأول، يبدو مشابهًا بشكل غريب لأفكار علماء الكون حول “خطوط العالم” (تاريخ جسيم في الزمكان) حيث “التاريخ الكامل لكل خط عالمي موجود بالفعل ككيان مكتمل في الفضاء الممتلئ للزمكان”.

لذا لا تزال مفارقات زينو تتحدى فهمنا للمكان والزمان، وهذه الحجج القديمة لها صدى مدهش مع بعض المفاهيم الحديثة في العلوم.