وحدة واختلاف

في أحلامي دائماً أجدني بصحبة الرفاق، سعيدين نترع أحداقنا أملاً ونرفع كؤوسنا في وجه العالم، مكلّلين بانتصاراتنا البسيطة، مغمورين بالألفة التي تقدمها لنا مشاق الحياة كطبق شهي بعد صوم طويل.

أنا شخص لا ينتمي، أحبّ، أبغضُ، أحقد، أحنو ولكني لا أنتمي إلى شيء أو أحد.

قد تظنّ أن هذه موضة، أو فنّاً رائجًا، لكّني أحاول بقلبٍ تصدّع من فرط الوحدة.

أحيانا تعجبني جماعة ما، أحاول حقاً أن أصادقهم، أصافحهم، نتبادل الأحاديث، أحاول بكل ما أوتيت من حبّ أن أشعل سراجاً بيننا ليضيء عتمة الطريق، وعتمة القلوب، فالخطوة صعبة والوحدة شاحبة، فلا أحد يختار ان يكون معزولاً، ولكنني أفشل في هذا دائما، ما أجدني إلا أنسحب وأتراجع لأعود لعزلتي ولا انتمائي.

لم أصادف إنساناً قط لا يطلق الأحكام، ما تلبث أن تعرف أحداً حتى يخبرك بما كان يظنّه عنك وعن الآخرين، أينما ذهبت تراك تجد أشخاصاً مشغولين بالنظر.

إلى سلوك الآخرين، أشكالهم، أقوالهم، صفاتهم، لباسهم، طعامهم، أزواجهم، أولادهم أو حتى وحدتهم، صيامهم وصلاتهم.

في كتابه الهويات القاتلة يقول أمين معلوف:

 “نظرتنا هي التي غالبًا ما تسجن الآخرين داخل انتماءاتهم الضيقة، ونظرتنا كذلك هي التي تحررهم”.

تحررهم من ماذا؟!

تحررهم من أحكامنا التي نطلقها بلا هوادة، مثيرين بذلك شأن نقصان فينا، أو خلل ما.

وتسجنهم بضيق أفقنا وعَمَى بصيرتنا التي لا تتسع لمنقار عصفور.

لا أعتقد ان أحدًا ما ذكرًا كان أم انثى لم يتعرض يوماً لهذه الأحكام التي تخنق المرء أكثر من حبل مشنقة.

كلّ منا يحمل منظارًا مراقباً منظاراً داخلياً موروثاً أو من صلب ما يمرّ المرء به، منظاراً ثرثاراً لا يبرح يطلق النمائم عن هذا وتلك.

لا أستطيع أن أحكم على أحد من خلال تجربتي، تجربتي ضئيلة جدًا ولا تكاد تذكر، وكذلك هي تجارب الآخرين مهما عظمت، الحياة لك وحدك، أنت الذي تصنع هويتك، أن الذي تضيف التجارب إليها، أنت صاحب الطريق مهما رافقك العابرون، فما رأيك أن تستأجر نجاراً، أو مصمم ديكور لكي تبدو أجمل؟

ما رأيك أن تسلّم عمرك لدكتور تجميل ليزركش لك جسدك، نتوءاتك الصغيرة البارزة في وجه التشابه، عيوبك؟ ولكن قل لي أيستطيع أن يجمّل أفكارك؟ أحلامك وخيالاتك؟

الصورة التي تشكلها عن نفسك تختلف تماماً عن الصورة التي يراك بها الآخرون.

ومع ذلك لا يهم! لا يهم حقاً ما الذي يراك به الآخرون طالما أنتَ أنت نفسك، أناك الحقيقية المجردة، الصغيرة والقليلة جداً في هذا العالم. مهما وجدت نسخاً تشابهك فأنت لاتزال تختلف ولو بشعرة حاجبٍ رقيقة ولو بضربة قلبٍ مختلفة، وإن هذا ليرضيك ولو سراً، فالاختلاف وحده هو ما يشكل الهوية البشرية.

لا أحد يعلم حقيقتك إلا أنت، يخبرونك دائما، بأنك مخطئ! وأنك ستقف وحدك في وجه الطوفان ولكن أين الطوفان؟ أنا لا أراه حقاً؟

لا أراه آلا في وجوههم، أحكامهم، انفعالاتهم وأصواتهم.

يقولون: أنّك لست نبياً من عالم الأمس لكي تصبر على هذا وحدك.

لكنهم هل سألوا أنفسهم حقاً ما هو الصحيح والخاطئ، هل يعلمون حقيقة الأشياء كما يدّعون؟ ماذا لو عاد الأنبياء ليخبروهم أن هنالك رسلاً تبعث كل يوم ولكنّهم يقابلونها يومياً بالزجر والشتائم والسخرية؟

ماذا لو أخبرهم الله بأن المجد للمنسيين وحدهم، الضعفاء، السبايا، من لا يُسمع لهم صوتاً، الملائكة المحزونون؟

ماذا لو رجحت الكفة لأولئك فقط دون سواهم ثم كانوا الجماعة في وجه الطوفان؟

أتُراهم يُصغون

كتبتها: جنى بيطار