التصنيفات
فلسفة فنون موسيقا

السياسة في الفن

ملاحظات حول قضية شب جديد ضد سان ليفان

يطرح جديد أغنيته فجأةً ودون سابق إنذار، على عكس أغنية سان ليفان مع هيفاء وهبي والتي سبقها الكثير من مقاطع الفيديو التشويقية. تهجو أغنية”SLV”  سان ليفان وتتساءل، في جوهرها، عن قيمة تبني قضيةٍ إن لم يُغنَّى لها. لقد صرّح المُخاطَب بأنه يقف مع فلسطين، لكن ما لم يفعله، كما يزعم شب جديد، هو أن يُضمّن هذا الموقف في كلمات أغنية، عوض الغناء عن النساء، وعن الشوق، وعن العناصر المألوفة لأغاني العشق.

إذاً، جوهر قضية شب جديد ضد سان ليفان أن التضامن الذي لا يجد طريقه إلى كلمات الأغاني يُعدّ تضامناً منقوصاً، أو ربما غير حقيقي، وأقرب إلى “موقف تسويقي” (brand posture) منه إلى ممارسة سياسية فعلية. وفي هذه الحالة، تبدو الخطوة المغرية لمن يريد دحض هذا الاتهام هي جمع الأدلة، كالإشارة إلى أن “ليفان” بدأ في الحقيقة مسيرته بأغنية راب عن القدس، وبنى أغنية حول تدمير فندق عائلته جراء غارة جوية، أو أنه وقف على مسرح مهرجان في صحراء كاليفورنيا ونطق بكلمة “إبادة جماعية” عبر الميكروفون أمام آلاف الحاضرين، أو أن هناك مؤسسة تحمل اسمه تحوّل الأموال بهدوء إلى موسيقيين لا يملكون جوازات سفر تتيح لهم المغادرة حين تتأزم الأوضاع. كل هذه حقائق تستحق الذكر، لكنها لا تمس جوهر المسألة؛ أو بالأحرى، هي أدلة تدعم حجة أضعف بكثير مقارنة بالحجة الأكثر أهمية وإثارة للاهتمام؛ وهي أنه لم يكن بحاجة لقول أي من ذلك لكي تؤدي أغاني الحب ذاتها دوراً مؤثراً.

 أتخيل لو أن أحدهم سيرد على شب جديد فسيكون ثيودور أردونو ومبدأه بأن مطالبة الفن بإعلان ذاته هي مطالبة مُستعارة من الأنظمة الديكتاتورية دون أن يلاحظ أحد هذا الاستعارة، فهي تطلب من العمل الفني أن يتصرف كشعار، وأن يحمل مضموناً قابلاً لإعادة الصياغة، يمكن من حيث المبدأ التعبير عنه بشكل أكثر فعالية في بيان صحفي، وبذلك يُسلّم العمل، مُغلّفاً كهدية، إلى اقتصاد المواقف القابلة للتبادل والتحقق، وهو الاقتصاد نفسه الذي قضى على الخيال السياسي الذي كان من المفترض أن يخدمه، في حين يكتسب العمل الفني دلالته السياسية من خلال دقته في الالتزام بقانونه الشكلي، لا غير.

ويذهب تلميذ أردونو هربرت ماركوز إلى أبعد من ذلك، فيرى أن الفن لا يصير سياسياً إلا برفضه أن يكون سياسياً بالمعنى المباشر؛ أي أن العمل المُجبر على الدفاع عن موقف ما ينتهك جوهره ويتوقف عن كونه فناً لحظة نجاحه كدعاية، وأن الاغتراب المتأصل في الشكل الجمالي، وقدرته على جعل المألوف غريباً، هو تمردٌ أكثر ديمومة من أي مسرحية تعليمية. وفقاً لهذا الرأي، يمكن لأغنية حب أن تتفوق على بيان سياسي، لأنها تحافظ، في رفضها ذكر الاحتلال، على ملامح حياة مثل الألفة، والرغبة العادية، ومستقبل لا يزال الناس فيه يقعون في الحب، يحاول الاحتلال جعلها مستحيلة.

إن مجرد كونها أغنية “عادية” ليس أمراً هيناً أو بلا قيمة. إن الاحتلال -أو الحصار، أو أي مسمى تطلقه على تلك الآلية الوحشية- يعمل جزئياً من خلال جعل الحياة العادية، كالمواعدة، والشعور بالملل، وأغنية عن الحنين لشخص ما، أو تلك المتعة البسيطة والسخيفة في مقطع غنائي راقص، أمراً متعذراً من الناحية الهيكلية، أو على الأقل أمراً لا يمكن تحقيقه إلا بتكلفة باهظة. لذا، فإن الأغنية التي تتمحور ببساطة حول فتاة، ودون أن تضطر لإرفاق حواشٍ سياسية كل أربع جمل موسيقية، لا تُعد تهرباً من الواقع بقدر ما تُعد تجسيداً لذلك الشيء الذي يحاول الواقع جعله مستحيلاً.

وهناك جانب ثانٍ للأمر لا يتعلق بمضمون الأغنية بقدر ما يتعلق بمجرد وجودها في العالم؛ إذ نجد فناناً وُلد في القدس ونشأ في غزة يعتلي منصات لم تكن -تاريخياً- تعجّ بأمثاله، وفي كل مرة يحدث فيها ذلك -حين يقف هناك مغنياً بالعربية أمام جمهور جاء للاستمتاع باللحن والكلمات الجذابة لا لتلقي درس، يتغير شيء ما ولو قليلاً فيما يخص من يحظى بالظهور ومن يُسمع صوته بشكل عفوي ودون الحاجة لاستئذان. وهذا أمر ذو شأن؛ فلا يلزم وجود بيت شعري واحد يتحدث عن الاحتلال ليُعد العمل سياسياً.

وعليه، يمكن تلخيص وجهة النظر المتعلقة بأغنية SLV في الآتي: إن المطالبة بأن تترجم حالة التضامن نفسها دائماً إلى كلمات صريحة ومباشرة هي في الواقع مطالبة بأن يسلك الفن مسلك البيانات الصحفية، في حين أن الأغنية التي تأبى الخضوع لهذا النوع من الاختزال، وتصرّ على أن تظل أغنية حب من بدايتها إلى نهايتها دون أن تتحول إلى ورقة موقف سياسي مصحوبة بإيقاع موسيقي، إنما تحمي شيئاً أكثر ديمومة مما قد تحققه أي تعليقات آنية عابرة. أما ما إذا كانت هذه الحجة ستصمد أمام مشاعر الحزن العميق التي تبدو كامنة في ثنايا أغنية شب جديد، فتلك مسألة أخرى، وهي التي أود الخوض فيها تالياً.

الزعم بأن الامتناع عن تحويل قناعاتك السياسية إلى محتوى صريح هو وسيلة لمنع الحرب من فرض موضوعات محددة على فنك. وفي الواقع، أرى أن هذا الزعم صحيح إذا ما نظرنا إليه بمعزل عن السياق، أو قيّمناه من منظور فني بحت وفقاً لمعاييره الذاتية. لكن تكمن المشكلة في أنه لا يوجد شيء يُقيَّم بمعزل عن سياقه، سواء من الناحية الفنية أو غيرها؛ فبمجرد إعادة هذه الحجة إلى أرض الواقع تبدو الحجة أقل شبهاً بدفاع عن “أغنية الحب”، وأقرب إلى دفاع لا يملك ترف تبنيه إلا من يتمتع بفسحة كافية من الوقت والظروف المواتية.

سأحاول صياغة ما أعنيه دون تحويل أي من الرجلين إلى صورة كاريكاتورية، فالأمر لا يتعلق بشخص بعينه بقدر ما يتعلق بتفاوت هيكلي يضطر أصحاب “المنهج الشكلي” الذين يركزون على البناء الفني إلى تجاهله لكي تستقيم حجتهم. إذ تعتمد الحجة بأكملها على افتراض أن الشكل الفني يقاوم التحول إلى سلعة بمرور الوقت، وكأن الوقت مورد موزع بالتساوي على جميع الأطراف المعنية، وهو أمر غير صحيح بطبيعة الحال. فإذا كنت ممن يملكون رفاهية انتظار الأثر الثقافي للأغنية ليتبلور ببطء، نظراً لأن وضعك المادي والجسدي لا يتدهور بشكل فعلي ومباشر في اللحظة الراهنة، فيمكنك حينها الركون إلى مقولة أن “الفن يؤدي دوره حتى دون التصريح بشيء”. أما إذا كنت ممن يفتقرون إلى هذا الخيار، فقد تبدو المقولة ذاتها أقرب لترف يُظن خطأً أنه فلسفة؛ وحينها تصير المطالبة بالتعبير الصريح والمباشر والمواكب للأحداث رد فعل منطقي تماماً، نابعة من عدم امتلاك ترف الانتظار حتى يثبت “الشكل الفني” قيمته بمرور الوقت.

ثمة نسخة أقدم من هذا الخلاف -بالمناسبة- لا علاقة لها بموسيقى الراب والبوب؛ فهي في جوهرها صراعٌ يدور حول ما إذا كانت وظيفة الكاتب هي كشف العالم وتسميته وتقديم شيء مفهوم للقارئ بما يكفي لاتخاذ إجراء بشأنه، مقابل وجهة نظر أخرى ترى أن الفن يجب أن يظل وفياً لقانونه الداخلي، مع الثقة بأن هذا الوفاء سيؤدي دوره السياسي بشكل غير مباشر وعبر الزمن، دون التصريح المباشر بالأمر. وينطوي الجانب الداعي إلى “الكشف والتسمية” في هذا الصراع على عنصر متأصل مفاده أن الفنان الذي يرفض الإفصاح عن توجهاته السياسية لم ينجُ فعلياً من امتلاك تلك التوجهات، بل كل ما في الأمر أنه حجبها عن نفسه. وفي هذا السياق، فإن أغنية مثل “SLV” إذا تأملناها بتمعن تؤدي وظيفة تكاد تكون تعليمية؛ فهي لا تسعى حقاً لإيذاء “ليفان” بقدر ما تحاول مقاطعة الطريقة السهلة والممتعة والعفوية التي يستهلك بها الناس أغانيه، ودفع تساؤل مختلف وأكثر تحليلاً إلى الواجهة.

لكن حتى هذا التفسير لا يلامس تماماً ما أعتقد أنه يحدث فعلياً في جوهر الأغنية؛ فالأمر لا يتعلق بتقديم “نظرية للفن الملتزم”، وإنما هو أقرب إلى التعبير عن “الحزن” الذي يظهر عبر أي نوع فني لا يزال قادراً على جذب انتباه الناس؛ وهذا النوع -سواء أعجبنا ذلك أم لا- هو حالياً “أغنية الهجاء”. لا أزال أفكر في حقيقة أن العبارة الأشهر في هذا المجال الفكري ظهرت في مقالة أدورنو “النقد الثقافي والمجتمع” عام 1949:

“كتابة الشعر بعد أوشفيتز عملٌ همجي.”

تُعدّ هذه الجملة من أكثر المقولات اقتباسًا -وأكثرها سوء فهمًا- في علم الجمال في القرن العشرين. في سياقها الأصلي، عبر أدورنو عن أزمة الثقافة بعد المحرقة، متمثلة في القلق من أن الأشكال التقليدية للفن والثقافة قد أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحضارة التي مهّدت الطريق لأوشفيتز.

بعد سنوات، في كتابه “الجدلية السلبية” (1966)، عاد أدورنو إلى هذه المسألة بالمقطع التالي:

“للمعاناة السرمدية الحق في التعبير كما للمُعذّب الحق في الصراخ؛ لذا ربما كان من الخطأ القول إنه بعد أوشفيتز لم يعد بالإمكان كتابة أي قصيدة”.

التفسير بين دراسي أعمال أدورنو هو أنه أدرك أن صياغته السابقة أولت أهميةً مفرطةً للمعضلة النظرية للفيلسوف، متجاهلةً حق الضحية في التعبير. والنقطة الجوهرية هي أن أدورنو لم يتخلَّ عن شكوكه في تجميل الكوارث، وإنما أقرَّ بأن معاناة الضحايا بحد ذاتها تُنشئ حقاً أخلاقياً في التعبير. فـ”صرخة المعذب” لها الأولوية على الحظر النظري المجرد. وكما لاحظ العديد من المعلقين، فإن تنقيحه يُحوِّل التركيز من استحالة الفن إلى حقوق المعاناة نفسها. لقد كان ذلك منطقاً مقلوباً؛ إذ إن للشخص الذي يعاني حقاً في التعبير لا يقل شأناً عن حق الشخص الذي يفسر الأمور في تبيان سبب عدم كفاية ذلك التعبير من الناحية الجمالية. وهذا الطرح -إذا تأملته قليلاً- ينسف نوعاً ما الحجة الشكلانية دون أن يدحض أياً من تفاصيلها فعلياً؛ فقد تكون الحجة صائبة تماماً من الناحية البنيوية، ومع ذلك تظل قولاً غير ملائم لشخص يشاهد -في هذه اللحظة بالذات- شيئاً يُدمَّر، بينما يريد أن يفهم لماذا يصر المغني على الغناء عن فتاة.

لا شيء مما سبق يحل المسألة، ولا أظن أن الهدف منه هو الحل أصلاً، ولكن أعتقد أن ما يفعله هو طرح سؤال مختلف عن ذلك الذي يكرر الجميع طرحه: هل ينبغي لـ “ليفان” أن يغني عن القضية من الأساس؟ ويوجهنا بدلاً من ذلك نحو سؤال يتعلق بـ “كيفية” غنائه -بغض النظر عن وجود قضية أو عدمها.

هنا تكمن، في رأيي، الخطوة الأكثر إثارة للاهتمام؛ وهي خطوة لا تقودك إليها وجهة النظر المؤيدة لشكل العمل أو محتواه، فكلا الرأيين لا يزالان عالقين في جدل حول ما إذا كان الموضوع السياسي للعمل ضرورياً، وهو جدل لم يكن ينبغي أصلاً أن يكون هو محور الاعتراض الصحيح. فإذا كانت الحجة هي أن البعد السياسي للعمل يكمن في “شكله” لا في “محتواه”، فإن السؤال المنطقي التالي: “هل يُحدث الشكل الفني للأغنية أي أثر؟”. وهذا سؤال أكثر جرأة وإثارة للقلق عند طرحه بخصوص أغنية لـ “سان ليفان” مقارنة بالسؤال الذي دأب شب جديد على طرحه.

لم يكن أردونو من دعاة النقاء الفني المتزمتين الذين يرون أن خطيئة موسيقى البوب ​​تكمن في تناولها لمواضيع كالحب أو الورود أو فتاة في عمّان. بل إن اعتراضه الحقيقي كان موجهاً ضد “النمطية المقنّعة بالعفوية”؛ أي قدرة صناعة الموسيقى على خلق شعور بأن الأغنية فريدة وشخصية وموجهة “لك أنت وحدك”، بينما هي في الواقع تعتمد بنيةً (للمقطع واللوازم واللحن الجذاب) تكاد تكون مطابقة لمئات الأغاني الأخرى التي تمارس الحيلة ذاتها. لقد أطلق على هذه الظاهرة مصطلح “الفردانية الزائفة” (pseudo-individualization)؛ وهو مصطلح ثقيل نوعاً ما لكنه يعبر عن فكرة بديهية وبسيطة: الورود التي تزين السطح قد تختلف في كل مرة، لكنها تظل الباقة نفسها.

والأمر اللافت هنا هو أن “ليفان” يقدم بنفسه الأدلة التي تدعم هذه القراءة. لقد تحدث علناً عن وجود تمايز بين الأغاني التي تمثل “رسائل حب من مروان”، وتلك التي تمثل “رسائل من سانت ليفان”، وهي “كاركتر” صرّح علناً بأنه لا يشعر بالراحة التامة في تقمصها مقارنة بكونه “مروان”، لكنه يجد نفسه مضطراً للعبها على أية حال. لا يُعد هذا الأمر محاولةً للإيقاع به أو كشف تناقضٍ ما، ولا أرى فيه دليلاً على سوء النية؛ غير أنه يمثل، من الناحية البنائية، اعترافاً بأن جزءاً معتبراً من رصيده الغنائي الرومانسي ليس مجرد تدوين ليوميات شخصية، بل هو “أداء” فني ذو طابع محدد وواضح. وبمجرد أن يخبرك الفنان بأن أغاني الحب تلك تصدر عن “الشخصية الفنية” لا عن “الإنسان الحقيقي”، يصبح من حقك التساؤل عما تتشكل منه هذه الشخصية فعلياً من حيث الصنعة الفنية، وعما إذا كان الأمر يتجاوز مجرد تجميع لعناصر وعلامات مألوفة ومعروفة.

وهذا يقودنا إلى أغانيه الجديدة التي ربما أثارت ردة فعل شب جديد، مثل “صباح الورد”، الصادرة شهر حزيران/يونيو الماضي؛ وهي أغنية رومانسية ذات طابع نوستولجي، شارك والد الفنان بصفته منتجاً تنفيذياً، بينما تولى “ليفان” مهمة الإخراج المشترك. ما يمكنني قوله هو أن العناصر التي يجري السعي إليها وتشمل مشاركة الوالد، وإطار “الصباح العادي الخالي من المبالغات” الذي تكرره التغطية الإعلامية، والإخراج المتعمد الذي يبدو بسيطاً وغير متكلف، والتصوير الذاتي العشوائي في ميتسوبيشي مع هيفاء وهبي، قد صارت بحد ذاتها أسلوباً فنياً، وخطوة معروفة في مجال تسويق المحتوى. والمفارقة هي أن “الواقعي” قد تحول تماماً إلى ذلك النوع من الجماليات القابلة للربح التجاري، ومجرد عُرف فني تلجأ إليه كما تلجأ لاختيار صوت معين للطبول، بدلاً من أن يكون ضماناً لحدوث شيء فريد لا يتكرر في جوهر العمل.

وهذه، في رأيي، هي أغنية الهجاء/الدس التي لم يكتبها “شب جديد” لكن كان من الممكن جداً أن يكتبها، وهي -بكل صدق- أكثر قسوة من الأغنية التي كتبها بالفعل؛ لأن عبارة “أنت لا تغني عن القضية” لها رد جاهز مثل أن ليفان غنى لغزة في بداية مسيرته، في حين أن عبارة “مقاطعك الغنائية (اللازمات) يمكن أن تكون لأي شخص، يفتقد أي شخص، في أي مدينة ذات أفق عمراني جميل” لا يمكن الرد عليها بسهولة. إذ لا يمكنك تقديم “إيصال” أو دليل مادي لدحض تهمة القابلية للاستبدال أو غياب الطابع الفريد.

كان بإمكان شب جديد، كما فعل كانيبوس، هجاء الاستخدام القاصر للكلمات في أغنية “نانو” مع قائمة أنواع السكر (توتي فروتي، بسبوسة، مون شيري، سكر محلي)، الأقرب إلى قائمة جرد منها إلى قائمة عبارات تعبر عن المودة – كأن كاتب الأغنية اختار أقرب أربعة أنواع من الحلوى من الرف لأن قافية الكلمات كانت ملزمة له، وربما يكون وصفها بـ”القافية” مبالغة، لأن المبدأ التنظيمي الفعلي يبدو أنه كل ما يتناغم مع كلمة “بيبي” بدلاً من أي شيء يشبه الادعاء عن شخص.

أو كما فعل ناس مع جي زي، ويهجو التقليد المنمق لفيديوهات أوليفيا رودريغو في قالب رجولي عفوي، او حقيقة أن الكلمات تبدو مكتوبة للغناء على مسارح غربية، أمام جمهور سائم لسماع لسان “إكزوتيك”.

وقد استخدم شب جديد هذا النوع من النقد جزئياً في أغنيته، ولا يصحّ مثل هذا الهجاء إلا إذا كان مدعومًا بالمهارة عوضاً عن “الشخصية الفنية” (persona) وهنا تكمن نقاط قوة “شب جديد” المعهودة، كالبراعة في التلاعب بالأصوات والحروف (الجناس)، وتصوير الطابع الخشن وغير المتكلف لشارعٍ بعينه في مدينةٍ محددة، وتناول واقع الاحتلال بشكلٍ غير مباشر (وكأنه حالة طقس لا عنوانٌ إخباريٌ صارخ)، وهي نقاط قوةٍ نبعت من رفضٍ لذلك النوع من المفردات الرومانسية العابرة للأسواق، التي تمزج أربع لغاتٍ دون استخدام عميق لأيٍّ منها، وهي اللغة ذاتها التي تعتمد عليها أغاني ليفان الجديدة.

المشكلة ليست في أغاني الحب أو تبني قضية، فقد غنى شاب فلسطيني آخر عن الحب بكثرة، ولكن لا أظن أن شب جديد سينتقده، وذلك لأن استخدام فرج سليمان للكمات يعطي لعلاقات الغرام والشوق والحنين تحت الاحتلال ثقلاً خاصاً، حتى لو لم يسمي الاحتلال صراحة.  

لا شيء مما سبق يحسم الجدل الأصلي، بل إن ما يفعله هو نقل ساحة الصراع، فلم يعد الأمر صراعاً بين السياسة وأغاني الحب، وبين الفن الملتزم والبوب، بل بين “الحرفة الفنية” و”الشخصية الفنية”. إنه صراعٌ يمتلك كلا الفنانين الأدوات اللازمة لخوضه علناً ومباشرةً عبر الأغاني.

رسم توضيحي لرجل بشعر رمادي ولحية كثيفة، يرتدي بدلة وربطة عنق ملونة.

رافاييل لايساندر

كاتب من سوريا مهتم بتقاطعات الفن والفلسفة