التصنيفات
مجتمع العمل تعليم

ما فائدة الإنسانيات على أية حال؟

ما موقع العلوم الإنسانية في سوق العمل اليوم؟

لم يتساءل أحد في الماضي القريب عن سبب حاجتنا لدراسة العلوم الإنسانية لأن قيمتها كانت بديهية، تمامًا مثل قيمة الاكتشاف العلمي، لكن اليوم تباعدت هاتان القيمتان بشكل حاد. وبينما تستمر الشعبية في مجالات مثل الاقتصاد أو علم الأعصاب أو البرمجة في النمو، فإن الاهتمام بالموضوعات الإنسانية يتحرك بنفس السرعة في الاتجاه المعاكس.

عام 2017، انعقد المؤتمر العالمي للعلوم الإنسانية في لييج، بلجيكا. وكان الموضوع هو “تحديات ومسؤوليات كوكب يمر بمرحلة انتقالية”، وقد نُظم بالتعاون مع اليونسكو. يمكن تلخيص الأساس المنطقي لهذا المؤتمر على النحو التالي:

كانت العلوم الإنسانية في قلب النقاش العام والساحة السياسية حتى الحرب العالمية الثانية. في السنوات الأخيرة تلاشى دورها وقد تم تهميشها. من الأهمية بمكان إيقاف تهميشها واستعادتها وفرض وجودها في المجال العام وكذلك في السياسات العلمية.

وبالنظر إلى التكلفة المذهلة للتعليم الجامعي لمدة أربع أو خمس سنوات، كيف يمكننا تبرير دراسة مواضيع مثل الأدب أو التاريخ؟ تشير نشرة صادرة عن جمعية اللغة الحديثة إلى إحصائية مقلقة حول الكليات والجامعات: من عام 2009 إلى عام 2019 انخفضت النسبة المئوية لشهادات البكالوريوس الممنوحة في اللغات الحديثة والأدب بنسبة 29 بالمائة. “أين ذهبت كل التخصصات؟” يسأل المقال. لكن إليكم سؤالًا أكثر واقعية: ما العائد من دراسة الأدب أو التاريخ أو الفلسفة في العالم الحقيقي؟

كاريكاتور يظهر نادل مع شهادة أدب فرنسي

لا شك أن هذا النوع من الأسئلة التي تحاول وزن كل شيء بثقله المادي مجحفة وغير منطقية، فالإنسانيات لا تصنع السيارات والطائرات، ولكن لا العمارة تفعل ولا كرة القدم، ولا قضاء وقت ممتع مع الأصدقاء. من الناحية الأخرى مع ذلك، عند مقارنة تخصص الإنسانيات مع العلوم والتكنولوجيا، يبدو الأخير أكثر منطقية وموائمة لسوق العمل وحتى “بناء الأمة”، كما تدفع بذلك الصين والهند وغيرها.

عندما كان جورج أندرس مراسلًا تقنيًا لـ Forbes، قال إن وادي السيليكون “استهلك فكرة أنه لا تعليم مفيد سوى تعليم العلوم والتكنولوجيا”. ولكن عندما تحدث إلى مديري التوظيف في كبريات شركات التكنولوجيا، وجد حقيقة مختلفة. “كانت أوبر تختار مختصين في علم النفس للتعامل مع الركاب والسائقين غير السعداء. كانت شركة Opentable تستأجر مختصي اللغة الإنجليزية لإيصال البيانات إلى رواد المطاعم وإثارة حماسهم بشأن ما يمكن أن تفعله البيانات لمطاعمهم”.

القدرة على التواصل والتوافق مع الناس، وفهم ما يدور في أذهان الآخرين، والقيام بتفكير نقدي كامل القوة- كل هذه الأشياء يقدرها الجميع باعتبارها مهارات وظيفية مهمة. دراسة الآداب ليست فقط تعلم مهارات لغوية وتحليل بضعة نصوص، ولكن مجموعة المهارات التي تتطور نتيجة لهذه الدراسة. من ناحية أخرى، إذا تأملنا في الموضوع، فنعم هنالك الكثير من الطلب على المهندسين والمبرمجين لقيادة التطور التكنولوجي؛ يبهرنا المبرمجون والمسوقون بالهواتف الذكية والحواسيب الخارقة، لكنها في حد ذاتها مجرد أجهزة جامدة. إن الموسيقى والمقالات والترفيه والأفكار التي توفر وصولاً إليها، والتي ولدت من قبل العلوم الإنسانية، هي التي تحركها- وتحركنا نحن. نتفليكس من دون مسلسلات مجرد كود برمجي، وحب الناس للقصص والحكايات، وحتى القصص التاريخية هو نفسه منذ مئات السنين ولكن تغير الوسيط فقط.

هذه المسألة تحيلنا لنقطة أهم، وهي أن البشر ليسوا كائنات مادية فقط، الهدف من الحياة ليس امتلاك أكبر عدد من الماشية أو أكبر أرض، وكذلك لا تقوم أمة او تسقط بقدرتها الإنتاجية فقط. يلعب الفكر دورًا مهمًا هنا. تأمل ما فعلته أفكار ماركس وفلسفة نيتشه وكيف غير كتاب إدوار سعيد نظرة الغرب نحو الشرق، وحتى حديثًا، كيف كان مقال للغارديان قادرًا أن يغير سياسة الأمم المتحدة اتجاه سوريا عندما لم تغيرها دول- الأفكار والكلمات مهمة، ولها أثر. حتى على الجانب الآخر، فكر كم كانت أفكار ومعتقدات النازية وداعش مدمرة وهدامة. تصرف الدول مليارات الدولارات على أسلحة وتكنولوجيا متطورة لمحاربة الإرهاب والتطرف، في حين كان من الممكن محاربته فكريًا دون إزهاق روح أحد وبشكل أكثر رسوخًا.

ولذلك نحن بحاجة للإنسانيات ودراستها أكاديميًا، فهي تتطور، كما العلوم، عبر طرح فكرة ما ومن ثم نقدها وتحليلها واختبارها للحصول على أفكار أكثر تتطورًا بعد ذلك. في كل مرة تزيد العلوم، بمساعدة التكنولوجيا، من فهمنا لهذا العالم، وتساعدنا الإنسانيات على فهم موقعنا منه وكيف نتعامل معه- كلاهما سويًا ضروري لاستمرار هذه المسيرة.

تدرس حقول العلوم الإنسانية وتحلل المصنوعات التي صنعها البشر، مثل الأدب والموسيقى والفن وما إلى ذلك. وتساعدنا في تحليل القضايا الأخلاقية المعقدة والتعامل معها، وفهم ما يجري داخلنا، وتبين لنا ما يعنيه أن تكون إنسانًا.

تعد القدرة على معالجة المعلومات والتعامل مع المواقف الصعبة أمرًا مهمًا للجميع لمجرد اجتياز الحياة اليومية. كما أنه مهم للمساعدة في التعامل مع القضايا العالمية المعاصرة على المستويات المحلية والوطنية والدولية. من المؤكد أن الرياضيات والعلوم والهندسة والتكنولوجيا مفيدة، لكن العلوم الإنسانية توفر طريقة أخرى لعرض القضايا، واتخاذ قرارات أفضل عند النظر في الآراء والأفكار المتنوعة.

كاريكاتور يظهر جنرالين يخططان لكتاب نص انقلاب عسكري

سيكون القادة وصناع القرار القادرين على توظيف مجموعة أوسع وأكثر تنوعًا من الأفكار والمعرفة أكثر قدرة على إدارة الشركات والحكومات والاستجابة للمواقف الصعبة أثناء تطورها وظهورها. ونرى مرارًا وتكرارًا أن عدم تقدير الإنسانية المتضمنة في أي موقف يمكن أن يؤدي إلى نتائج غير مرغوب فيها.

من جانب شخصي، وبغض النظر عن أي أمر آخر، فإن اتخاذ قرار بشأن الحصول على درجة علمية أو المسار الوظيفي بناءً على ​​العائد ليس خطوة ذكية. النجاح المالي ليس سببًا منطقي لأنه غير مضمون، فالكثير من المهندسين لا يكملون دراستهم او يعملون كباعة أو أي وظيفة لا تمت لتخصصهم بصلة. كن ناجحًا في شيء ما وسيتبعه المال، وليس العكس. ركز على القيام بالأشياء التي تحبها والتي ستكون متحمسًا لها، وسيرغب الناس في منحك عملاً.

ليس الأمر كما لو أن معظمنا لديه نفس القدر من الشغف والاستعداد. يعرف الكثير من الناس ما يحبونه، لكنهم لا يعرفون ما إذا كان عليهم احترافه- والمجتمع في الغالب لا يساعد. لهذا الآباء والمعلمين غالبًا التراجع- يوجد خبير واحد فقط. أنا الخبير بنفسي، وأنت الخبيرة بنفسك. وبالتالي، يمكن لذوي الخبرة نصحك بكيفية رؤية الصورة الأوسع، ولكن لا أحد يستطيع أن يخبرك ماذا تفعل أو أين تضع طاقتك.

كتبها

رافاييل لايساندر